التعوسب

 

 

 

  للقاص :عبد الباسط آدم مر يود

 

عند البكور وانثيال خيوط الفجر ، جثمت جموع العطاشى من الرهود الفارغة والدناكيج اليابسة بباب القرية متمحنة ، أخرجت القطاطي والأشجار ألسنة لها جافة متشققة بحثاً عن شربة ماء، فتضاحكت سحاباتٌ عابرة شامتة وبصقت فوق الجموع

: أمشوا يا عواسيب.

تعانقت قطاطي ود جعيكيك المعصوبة ، منسحبة في أنصاف دوائر ، فريق الخوازم مركزه سيالة الشيخ، وفريق القشيمات تتوسطه هجليجة الضرا ، وفريق بني بدر يطل على ساحة عصر الجماهير حيث النقاقير و أبواق النفير، يطوق القرية التبلدي المتوتد في الرمال الناعمة ، أسفله فجاج الدروب المتسابقة من البطاح والسهوب حيث الدناكيج والرهود، للبيوت نفاجات يحجبها فى الخريف النال والفخيخة، حيث تختبئ اليعاسيب وتغتصب الجعارين تحت رقراق القوالح فتوأد الصبايا، ولكن جيوش ابناء السفاح فى إزدياد من ام تقلقلوا والبقيرة وام بقة ، فتملأ الحوارى والأزقة بأجنحتها السوداء المهيضة والرويسات المطأطأة.

      أفادني والدي أن جدي الخامس كان جعران بن تحماد بن حنكب بن ترتر من بطون بنى خزيمة وسيف الله المسلول،ناسا قشيمين سلوا سيفوهم فى وجه اليعاسيب ذات البصاره والفهلوه وسرعة الحركة ، لها أجنحة حرشفية ثنائية عند اليفاعة ورباعية عند الطمع والطمح ،والعيون المركبة الكرستالية تنذ أشعة ليزرية حارقة تجعل الجعران يبدل جلده كلما نضج، (اشد ما يميز يرقات اليعاسيب كبر عيونها ولصفانها الفسفوري وحركتها الدورية كالقوس المقلوب، تبدل جلودها بالانسلاخ فهي لا ترعى عهد ولا ذمة، تتلون تبعا للفصول حيث تبيض خريفا وتحمر صيفا وخاطفة لونين عند هدوء الأحوال الجوية شتاء، تنصب شراكها من خيوط حريرية جيلاتينية تشع وهجا ضوئيا تنجذب إليه قبائل الجعارين) .

   كلمات رشها فينا أستاذ علم الحشرات الجامعي الخجول وهو يعطى وجه للسبورة

(يعسوب بن جلوك) كبير اليعاسيب محل الإعجاب ومحط أنظار حواريه من فرس النبي والرعاشات مبجلا مهموم بفكر سيادة اليعاسيب على كل الوديان  والبطاح كان أبوه (جلوك)نطاط الشوك، غذاه بسحق الآخرين من الجعارين التى هجرت الفضاء والطيران حيث الأوكسجين النقى ، وقبلت بالطأطأة والالتصاق الشفيف بالارض الخريفية، تجمع روث البهائم الشبعى وتكوره كورا صغيرة تدحرجها فى رحلات جماعية مهرا للقمرا، كلما لحظت يعسوبا تتواري فتهتز الأرض وتربو!

   كان اليعسوب يخرج ذى الناس فتهب الهبوب النتنة وتصب مطيرة البولينا النجسة ويقع التكيل فتجرى صغار الجعارين هاتفة:

  :  هبيباً هبت  ومطيرة صبت تكيل وقع صبيان جروا.

    كنت اسند قفاى العارى متعنقلا فوق عنقريب قد جاف متوسطا فضاء القطية المقبوض، انقل عيناي من الكوه الى البقرة ومطارق الكاجة المتلاصقة ثم الى شعاب الدروت المنخورة والريح الدرتيه تصوصو فى الخارج فتتأرجح خيوط العناكب وذرى السوس الدقيقى ، أري جعرانا اشتد به وله الانسلاخ الى عالم الإنس ، هربا من سطوة يعسوب شبق كان يضاجع سنتوحيه يرقة كهرمانية لها وبر خفيف ناعم ، فينقبض فؤاد الجعران ، ويصير شفقا يخترق القطية الى خارجها، حيث تساق الجحافل المطأطأة من البق والجعارين الى ساحات العصر، حيث تعطى زيتا يخفض كلسترول اليعاسيب فلا تموت بالذبحات الصدرية والسكتات القلبية وهى تفتش أرحام الجعارين وبيضها (عن ولد يختبئ يمكن ان يغير النظام ) وينثر الكسب النتن على الارض اليباب سمادا طبيعيا، فتخرج حصادها حبا حصيدا بإذن ربها سنابل سبلات وبتلات زاهية بأريج فواح تستنشقه اليعاسيب فتقوى على العصر.

   كنا اربعةالخازمىالقشيمى البدرىوالقريسى من بطون حمر مخارز الضبيةنناجى الزهراء حيث يشتبك دثارها الفضى اللألأء وضياء القمر ، فيلبسان فضاء ود جعيكيك الرملى البلورى ببيلسان البهاء والجمال وتغدو زهراؤنا منتهى المني والمنال .

قال الخازمى: مادباها فرسى جواد الشيطان البتطير الرحمان

قال البدرى: ما دباها عروسى الجعلية المتعوسبه جميلة المدينة.

قال القشيمى: ما خلاها سيفي أشيلها  على كتيفى أهزها على كيفى

تلفت القريسي كثيراً وقال : ياريتها .بتاعتى

صاح ثلاثتنا شامتين: تعو سب ..تعو سب .. تعو سب القريسي، ومن يومها صارت الزهراء (بتاعت) القريسي.

    انطلق صراخ من طرف الحلة يشق الليل ، فتوقفت الزغاريد وصخب الجراري والعنقالي ، وتيبست حناجر الطمبارة ، وتفرقت لمة عرس جمع أشتات الحلة ومتخاصميها ، نقل الصراخ للناس المذهولة خبر تعو سب (امبيودة) المُرطْرطْ اللهاط وقتله لشقيقه (الظابط) لإيقاعات القرية في أزمنة التواريب ونفاير الجباريك والفزع ، ولهجت الألسن بالأسى والشماتة :

الحديث الرابط (أمبيودة) كتل الظابط.

: بالفأس أبو لكدمة (أمبيودة) كتل ولد أمه

صاحت الناس المذهولة تعو سبتعو سب..

    ودت (دُوفي) جميلة البدريات أن تضخم أحلامها، فخرجت تمتطي صهوة الشارع في وضع الفارسة ، فأخرج الشارع أعضاءً له كفطر المشروم، فتكورت بطنها بعد معاناة الصهد والفحيح، و أخرجت الجعارين ألسنة لها تلوكها، بعد أن يأست من نيل شخبة حليبها ، فصارت البدرية سمكة بوجه إنساني، دنست كل الرهود فأصبح ماؤها غوراً ، فنُثرت حولها المصائد والمصائب ، ولكنها خرجت كالشعرة من العجين ، فحادثها سنتوحى من خارج الحدود ودفع سخياً و أزال مديونية الأسرة ، وغلب ظن الجعارين تعوسبها، فسقوها منقوع الصبغة فتقطعت أمعاؤها وأنياط قلبها، ولحقت (بفيوك) ناسج أنسجة الاتصال و الوصال في ود جعيكيك المتحكرة فوق التلال ، كان هادئاً رزيناً، ملأ عيون وقليب (الحرْم) بحلم العيال والمال، وسافر في أزمنة التعوسب فأصبغ على (الحرْم) الإزار و أقسم  أن يدثرها بالسواد من الرأس حتى أخمص القدمين، فرفضت هي التبرقع والمشي بين الناس بطريقاً ليشك الناس في طهارة أزمنتهم في هزيع الليل تلها توأماتها لما كانت حبلي ، و أنفذ فيها تهيؤاته ولوثاته ، بأن يبدأ التطهر بأهل بيته، فلهجت ألسن شامتة مستنكرة

: حات الله وحات ترم (فيوك) كتل الحرم.

: حات الله يا بنيات (فيوك) كتل التومات

*تضاحكت سحابات عجلي في سماء ود جعيكيك وهي تمر نُتفاً قالت إحداهن للأخرى.

:الحِلة دي مالها مبشتنة كده ، لا زرع ولا ضرع؟!!

ردت الأخرى

     : تعوسبت!

قالت جموع العطشى

    : طيب ما تنزلن تبلننا

قالت جموع السحابات شامتة

   : يا حلات دقلش عشان ننزل

     : أمشوا يا عواسيب

عبد الباسط آدم مر يود

 

راسل الكاتب

محراب الآداب والفنون