حين إنتقلت الخرطوم إلي عاصمة الجزيرة
 

  للكاتب : صلاح الباشا... الدوحة

 

حين إنتقلت الخرطوم إلي عاصمة الجزيرة
***********
تظل الجزيرة صماماً لأمان الإقتصاد ومنبعاً لخير الوطن
ودمدني أعطت لأهل السودان العلماء وعمالقة الفن والرياضة
_________________________________

بقلم صلاح الباشا
[email protected]

نعم .... كان لابد للخرطوم الصحيفة من أن تحمل هم هذا الوطن الغالي .. فبمثلما كانت بالأمس القريب تعيش آمال مدينة عطبرة ( أرض الحديد والنار ) .. وبمثلما إقتحمت بالأمس القريب أيضاً قضايا ثغر البلاد ومنفذها للعالم الخارجي ( بورتسودان ) .. وبمثلما ظلت الخرطوم تقدم الندوات الصحافية المتميزة في دارها دون إنقطاع لتعالج قضايا الوطن وهموم الناس ولتؤدي رسالتها التنويرية المسؤولة وتبتعد عن الضجيج والإثارة الصحافية كنموذج سالب ترفضه الصحيفة دوماً .. فيه صحيفة تخاطب النخب وصناع القرار في كافة التيارات فإن الخرطوم اليوم وفي هذا الصباح تنتقل بمعظم قياداتها التحريرية إلي حاضرة الجزيرة ( ودمدني ) وعلي رأسهم رئيس تحريرها الأستاذ فضل الله محمد .. لتشكل الصحيفة مع كلية ودمدني الأهلية الراقية والمعطاءة التي شيدها نفر عزيز من أهل المدينة لتصبح منارة ثانية بعد رفيقتها جامعة الجزيرة الشامخة للعلم ولحركة التنوير المعرفي في السودان كله .. تشكل الخرطوم مع هذه الكلية نموذجاً جديداً لتلاقح الأفكارالإعلامية المتفاعلة مع العطاء الأكاديمي من أجل الرقي بمدينة مبدعة إسمها ودمدني الجميلة .
نعم ... شهدت كلية ودمدني الأهلية صبيحة الخميس3/5/2007م ونهاره وعصره ومسائه نموذجاً جديداً يرفد الوطن كله بالأبحاث الجادة التي تعمل علي سد الخلل في الإقتصاد .. وعلي وضع الزراعة منهجاً وإقتصادياً لتصبح عماداً لتقوية ظهر هذا البلد الرزاعي ذي الموارد الضخمة التي خصها الله سبحانه وتعالي بها . خاصة وأن أوراق العمل التي تتناولها هذه الورشة الصغيرة في زمانها والكبيرة في مضامينها ستفيد أصحاب القرارات الإستراتيجية للإنتباه جيداً لهذه الموارد التي تعطلت كثيراً حتي تعود للزراعة ومخرجاتها ألقها القديم حين كانت الزراعة ولمدة تتجاوز السبعة عقود من الزمان تطعم كل أهل السودان بخيرها المتمثل في قطنها وقمحها وقناديل الذرة .
نعم .... ونحن نعيش الحدث الكبير من أرض المحنـّة ومن قلب الجزيرة .. ومن ساحات كلية ودمدني الأهلية الشامخة كشموخ الشعب في كرري .. فإننا نستصحب معنا إرث الجزيرة العملاقة في كل شيء .. فكيف لنا أن ننسي رحلة المجد التليد للراحل المقيم السيد مكي عباس وهو يعتلي إدارة مشروع الجزيرة العملاق كأول محافظ له بعد الإستقلال المجيد خلفا للمستر ( جيستكل ) الإنجليزي الذي خدم بالمشروع لمدة 26 عاماً متواصلة منذ أن جاء إلي الوطن مع الشركة الزراعية كمحاسب صغير بعد تخرجه من جامعة لندن .. ثم توالت رحلات العطاء في ذات الوظائف العليا بالمشروع في عهود القيادات التي رحلت عن الدنيا أو التي وصلت سن التقاعد أو حتي الذين تم إبعادهم للصالح العام .
وحين يأتي الحديث عن مشروع الجزيرة فإن الأمر يعود بنا إلي وزارة الري بودمدني ورحلة عطاء مهندسيها في العناية بالترع وقنوات الري بالمشروع منذ عهد المهندس الراحل محمود جادين .. مروراً بمحمد عبدالكريم عساكر وحتي الجيل الحالي بالري.. وكيف لنا أن ننسي أيضاً جهود هيئة البحوث الزراعية التي كانت بمثابة المرتكز البحثي العملي في إستنباط أحسن سلالات بذرة القطن والذرة التي أفادت في تطوير الغلة الرزاعية .
وكيف للجزيرة أن تنسي جهد إبنها المتميز العم السيد عبدالرحيم محمود أطال الله في عمره - الذي إعتلي سدة إدارة الإقليم الأوسط كأول حاكم من أبناء الجزيرة والذي أتي للحكم من مشروع الجزيرة في عام 1976م حتي 1985م وقد أنجز أكبر عمل صناعي وهو فتح المجال لقيام أكبر تجمع صناعي لصناعة النسيج في أفريقيا بمنطقة مارنجان ولا يماثله إلا تجمع مدينة غزل المحلة الكبري بالقاهرة .. فجاءت مصانع شرف العالمية للغزل والنسيج .. وجاء نسيج الصداقة بالحصاحيصا .. وغزل الحاج عبدالله وسنار .. ثم شهد عهده تأسيس جامعة الجزيرة العملاقة .
كانت الجزيرة وستظل صمام الأمان لإقتصاد الوطن .. ولا هروب من هذا القدر المكتوب عليها في أن تعطي وتعطي وتتجاوز التعطيل .. نعم كانت الجزيرة هي الجامعة العريقة التي أسسها الراحل المقيم البروفيسور محمد عبيد مبارك الذي أشرف عليها وعلي بنائها وعلي إكمال بنياتها القوية حتي مفارقته للدنيا في فبراير من عام 1989م .. تاركاً خلفه أكبر وأرقي مؤسسة أكاديمية في الوطن ( جامعة الجزيرة ) التي أحرزت كلية الطب فيها المرتبة الأولي علي مستوي الوطن العربي حسب تقرير اليونسكو .
وعند الحديث عن عطاء الجزيرة الممتد .. فإن الحديث يقودنا إلي أهل الفن والإبداع .. ليأتي إسم إبراهيم الكاشف متربعاً علي قمة هذا الإرث الإبداعي .. وتسير من بعده قافلة الإبداع بكل مكنوناتها الفخيمة .. لنري الخير عثمان ومحجوب عثمان ورمضان حسن ورمضان زايد ومحمد الأمين وأبوعركي البخيت ومحمد مسكين وأحمد الطيب ومصطفي سيد أحمد وصلاح درويش وعلي إبراهيم علي ومحمد سلام وعبدالعزيز المبارك وعلي السعيد وإسماعيل يحي والحبر سليم وعبدالله حبه ومحمد باكوبة والتهامي خوجلي وحسين عبدالله وبدر أنجلو وأبناء مليجي بإيقاعاتهم الصاخبة .. وكلهم يغردون للوطن منذ أمد بعيد من خلال المذياع .
كما لايفوتنا ذكر مؤسس الحركة الفنية الحديثة بودمدني حيث إتاح للفنانين موقعهم الحالي ( دار إتحاد فناني الجزيرة ) بشارع الجمهورية الراحل المقيم الفنان حسن الباشا الذي أسس الدار وترأس مجلس إدارته لمدة ثلاثين عاماً دون إنقطاع حتي وفاته في مثل هذا الشهر من عام 1997م .. ليترك أبناءه الفنانين يواصلون رحلة العطاء .. فكان عباس الجزيرة وصلاح وامين جميل والشاعر جمال عبدالرحيم والحاج الشيخ وعبدالعظيم مازدا وحيدر الرفاعي وأبناء مليجي وصديق سرحان وصديق متولي وثنائي الجزيرة وفتاح السقيد وحتي جيل عمر جعفر ورفاقه .
وكيف لنا أن ننسي عطاء الشعراء الأماجد من أبناء الجزيرة الذين طرزوا بمفردات أشعارهم أجمل القصائد التي سكنت داخل الوجدان : علي المساح - فضل الله محمد كباشي حسونة بدوي بانقا وحتي جيل مدني يوسف النخلي وجمال عبدالرحيم .. وقصي مجدي سليم .
كانت ودمدني تتسيد فنون كرة القدم في الوطن كله .. وكانت أندية القمة بالخرطوم تتسارع لإستجلاب مبدعيها الموهوبين منذ زمان سيد مصطفي وأبراهومة الكبير وشقيقه حمد النيل وإبراهيم بدوي ومحجوب الله جابو ( البابور ) وسمير صالح ( سمارة ماش ) وبابكر سانتو وهو من أحرف لاعبي الكرة في افريقيا .. ثم جلودي وأولاد الحوري الفاضل سانتو وقلة والريشة وحموري والهادي سليم والفاتح رنقو وعامر عوض عبده ومجدي سنهوري ومحمد حسين كسلا وفتاح الديبة والريح جادين وحمد والديبة ( حاجة عجيبة ) .
نعم كانت الجزيرة تعطي كل هذا الكم الهائل من عمالقة الكرة في عصرها الذهبي .. كابتن شبر ورفيقه إمام اللذان تربعا علي عرش الكرة في الأهلي القاهري في حقبة الستينيات .. ثم ذلك الراحل الحريف كابتن سيد مصطفي في إتحاد جدة .. وجاء من وسط هؤلاء أعظم هدافي الكرة المصرية .. نعم جاء من نادي الرابطة بودمدني هداف الزمالك المرعب ( عمر النور ) والذي كان يطلق عليه المعلق الرياضي الراحل كابتن محمد لطيف لقب ( الغزال الأسمر ) .
ونحن في صحيفة الخرطوم نلتقي مع أهل ودمدني بالكلية الأهلية بحي الدرجة العريق وتحت إشراف عميدها وإبن ودمدني الهمام البروفيسور عصام البوشي ووكيلها الأستاذ الطريفي يونس وبروفيسور هاشم وكافة منسوبيها من إداريين وطلاب .. وفوق ذلك دعم مجلس أمنائها المتمثل في الأستاذ عز العرب حسن إبراهيم رئيس المجلس ورفاقه من أصحاب العطاء الذي لايعرف اليأس .. فإننا نستصحب معنا كل هذه الموروث الجميل والزاخر الذي ظل يرفد الوطن كله بالخير والجمال لسبعين عاماً خلت .. فكيف ننسي علمائها الذين إنتشسروا في هذا العالم الواسع يقدمون للبشرية جمعء علمهم وعطائهم .
فشكراً للكلية الأهلية بودمدني وشكرا لكل الخبراء المشاركين في هذه الورشة التي تهدف إلي معاونة أصحاب القرار في وضع تصورات وتوصيات وأبحاث تعيد للجزيرة ألقها وإشراقها وأدوارها .. خاصة وقد كانت الجزيرة صاحبة حظ عظيم حيث يعتلي الآن أمر ولايتها إبناً باراً خرج من رحم المدينة .. والذي يعرف جيداً بيوتاتها وحاجاتها وإحتياجات أهلها وقد عايش طوال عمره ما ظلت تقدمه الجزيرة للوطن الكبير لعقود طويلة من الزمان. نعم .. إن الفريق أول عبدالرحمن سر الختم والي الجزيرة المشرقة والذي سبق له أن أطلع منذ عدة شهور علي برنامج هذا الجهد الوطني الخالص والذي إبتدرته صحيفة الخرطوم ورعته وأخرجته للوجود كلية ودمدني الأهلية .. ليطل هذا الجهد في هذا الصباح وليسهم في أمر معالجات قضايا الجزيرة لتكون التوصيات بكل مناقشاتها الجادة هي خير عون للسلطات .. يأتي بكل الجدية والتصميم .. دون مزايدة في أمر الوطن .. دعماً للإستقرار .. ووضعاً لبنيات أساسية تعمل علي خلق لمجتمع الرفاهية الذي ننشده .
شكراً للسيد والي الجزيرة لتعاونه الحميم وتمنياته الصادقة لنجاح هذا المنتدي الجاد الذي يأتي من خارج الأطر الرسمية .. حيث تمثل صحيفة الخرطوم وكلية ودمدني الأهلية وخبراء الجامعة والهيئات المختلفة والأندية الرياضية والفنية كمؤسسات شعبية ومدنية تعمل من أجل الإرتقاء بهذه الولاية العزيزة عند أهل السودان ... وشكراً لأهل ودمدني المهمومين بأمر الوطن كله .. وشكرا لمبعدها الضخم أبوعركي البخيت الذي أقام أمسيتها الإبداعية بفنه المتميز ... نعم يظل أبوعركي هو بيتهوفن السودان ... ولك الله ياجزيرتنا الخضراء ،،،،،



 

 

 

 

راسل الكاتب