مدني زمان واليوم

إندثار و إحتضار أندية

 بقلم : مبارك محمد المبارك

 

 

** مجلة الرياضة العدد 121 3/7/1964م **

إندثار و إحتضار أندية
بعد خمسة عشر عاماً بالدرجة الأولى نزل فريق الرابطة للدرجة الثانية بعد هزيمته الأخيرة من الأهلي ، لقد كافح فريق الرابطة من أجل البقاء ولكن سوء الطالع لازمه في جميع مبارياته ، ونزول الرابطة للدرجة الثانية فيه درس وعظة لجميع الرابطاب ليتكاتفو من أجل رفعة فريقهم مرة أخرى ، إن نزول الرابطة ليس معناه نهايتها بل هو بداية فريق الرابطة الجديد

** مجلة الرياضة العدد 70 6/7/1963م **

فريق الشاطئ ... ما خطبه
أشكركم على اهتمامكم بفرق الأقاليم التي يرجى منها وعلى رأسها الجزيرة التي خرجت الأبطال الذين نالوا شرف تمثيل بلادهم دولياً .. ابراهومة ... ود الشيخ .... محجوب الله جابو ... كرار ...والمستوى مازال يبشر بالخير وفي تقدم إلا أن ما يحز في النفس تدهور فريق الشاطئ ونزوله إلى الدرجة الثانية بعد تاريخ حافل بالأمجاد والبطولات ... توقع الجمهور أن يحرز بطولة الدوري عام 60/61 احتل المركز الثالث موسم 61/62 أما دوري 62/63 فقد خرج منه الفريق صفر اليدين وفي آخر مباريات الدوري تغلبت عليه الرابطة.
أرجو من المسئولين بنادي الشاطئ أن يبذلوا الجهود المخلصة ليحتل الفريق مكانته اللائقة به وأن يكون النزول بمثابة دروس وعظة * طه عابدين محمد طه عامل بمارنجان *


وقفة : خلال إجازتي السنوية هذا العام وقبل ثلاثة أشهر تقريباً مررت بنادي الرابطة ذاك الصرح التليد الذي بُني عام 1982 على طراز جميل في حي البان مقابل مدرسة المؤتمر الثانوية بنين سابقاً ( المجلس الإفريقي حالياً ) ، حزنت لما آل إليه حال النادي من خراب ودمار حينما وجدته أشلاء متفرقة .. هوت حيطانه طوبة طوبة وتطايرت سقوفه وسرق ما سرق مما تبقى من أبواب وشبابيك و... و ، وانهار فريق كرة القدم كما انهار النادي وهبط إلى الهاوية حتى شُطب من سجلات إتحاد كرة القدم ، بعد أن توفرت للنادي في فترة من الفترات كل مقومات النجاح فشيد داره بشكل حديث فاخر في مساحة واسعة وفي موقع إستراتيجي على شارع مدني الخرطوم ، لا يبعد عن شقيقه نادي الإصلاح في نفس الشارع ، كان شكل النادي مُبهر بكل ما هو جميل من حديقة غناء مُتفتحة الإزهار مورقة الثمار ، أما الألعاب فكان النادي كخلية النحل تذدان ساحته بشتى الألعاب مثل ألعاب السلة والطائرة والتنس ، أما فريق كرة القدم فقد وجد إهتمام كبير من قبل إدارة النادي ، خرج النادي لاعبين مُبرزين كانت لهم صولات وجولات على مستوى النادي و على مستوى منتخب الجزيرة و الفريق القومي السوداني وكذلك خارج السودان مثال اللاعب الأسطورة عمر النور بنادي الزمالك المصري ، واللاعب عبد اللطيف ابنعوف ( النجمة بنغازي ليبيا) واللاعب الرشيد عيسى المنيسي ( الوصل دبي ) .

نادي بقامة نادي الرابطة الذي تأسـس عام 1948م له تاريخ ناصع يهوى بهذه السهولة ، يحتاج لمراجعة وتصحيح لأوضاعه أو دراسة متأنية لحالته النموذج والعمل على محاولة إعادة الروح إلى جسده المتهالك وهو صاحب إنجاز فريد في عام 1956م عندما فاز بكأس السودان مناصفة مع فريق النيل العاصمي ... نبكي هذا الماضي وليته يعود ... بعد ذلك أخذ النادي في التراجع شيئاً فشيئاً من درجة لأخرى حتى تم شطبه من كشوفات إتحاد الكرة بمدني .
قائمة السقوط طويلة لا تستثني أحد فجاء دور نادي عريق آخر كان في يوم من الأيام ضمن أندية مدني حيث تدرج صعودا وهبوطاً ، وقد تخرج منه أفذاذ كرة القدم بمدني وهو من أندية البحر ذات المستوى الجيد والأداء الراقي والجمهور الحماسي ويمثل ثالث أضلاع مثلث أندية البحر مع شقيقيه الإتحاد والنيل وهو نادي الشاطيء الذي تأسـس عام 1957 ، لم يكن حظ النادي أفضل من شقيقة الرابطة فهبط مُستقلاً نفس الطريق الذي سلكه صعوداً للقمة ، وهوى وإندثر لم تشفع سيرته وتاريخه ببقائه ضمن أندية مدني .
وفي خانة الإنتظار فريقان عريقان مُستقبلهما غامض الأول نادي علم الوطن الذي تأسس 1937م ومقره حي المدنيين خلف مدرسة الكورة للبنات ، صاحب حضور قوي ورقم مهم في تاريخ الحركة الرياضية بمدني ، وقد خرج عمالقة في كرة القدم و يعتبر مصدر غذاء دائم لأندية الأولى باللاعبين المميزين ، حيث لم يتشرف بالصعود للدرجة الأولى برقم تاريخ ميلاده الكبير ، ويكفيه فخراً أن تخرج منه لاعبين كبار أبرزهم اللاعب المايسترو ( بابكر سانتو) الذي يجمع على فنه وموهبته النادرة كل الرياضيين بمدني .
النادي الثاني هو نادي الموردة الذي تأسس 1952م بحي الدباغة الحي العريق الذي يذخر بالنجوم وسبق أن صعد للأولى ثم هبط حتى وصل الثالثة ...الفريقان جُمد نشاطهما هذا العام على أن يستأنفا النشاط الموسم القادم وفي حالة تذيل أحدهما دوري الثالثة يكون مصيره الوداع شأنه كفريقي الرابطة والشاطيء .
نادي آخر مُهدد بالشطب هذا الموسم هو نادي الثوار النادي الشاب مُقارنة بتواريخ الأندية المهددة فقد تأسس في العام 1969 وبعد مد وجزر إستقر به المقام في الدرجة الثالثة ، ويُعتبر من الأندية الطموحة ذات الأسماء الفريدة وغير المكررة في تاريخ الأندية السودانية ، نشأ هذا النادي في حي المدنيين ذاك الحي الذي جمع كافة الأقطاب من كل الأندية ويعتبر مركز ثُقل المدينة كروياً ، نادي الثوار ناضل كثيراً في إيجاد دار يمارس من خلالها نشاطه ، وأنتقل من دار إلى دار بالإيجار ، وظل يبحث عن دار تخصه حتى تمكن من تشييد دار فاخرة في حي بانت جوار مدرسة المؤتمر المتوسطة بنين سابقاً ..... وفي لحظات البناء والتشييد كان النادي يمر بظروف صعبة إذ تذبذب فريق كرة القدم فهبط بسرعة مخيفة من الدرجة الأولى إلى الدرجة الثانية ثم إلى الدرجة الثالثة ، وفي هذا الموسم يخوض آخر فرصة لبقائه ، حيث جُمد نشاطه الموسم السابق لتزيله دوري الدرجة الثالثة ، نتمنى أن لا يتذيل القائمة هذه المرة حتى لا يودع الثالثة بلا رجعة .

السؤال : أليس غريب ما يحدث لأنديتنا العريقة ؟ مما يجعلنا نناشد كل الشرفاء الرياضيين من أبناء مدني داخل السودان وخارجه لدراسة هذا الوضع المعقد الذي يطوي صفحة مُضيئة من تاريخ مدينتنا كروياً بهذه السهولة دون وقفة لمراجعة هذا السيناريو الغريب ؟؟؟ !! .
هناك العديد والعديد من الأسباب أدت لهذا الإنهيار أهمها الوضع الإقتصادي المتردي ... وعدم إهتمام الدولة بالرياضة وعدم الإهتمام بالنشء وعدم توفر المعدات ، وعدم توفر الملاعب والموجود منها تغولت عليه الدولة بدواعي متنوعة منها الحدائق والأكشاك والأسواق الميتة على سبيل المثال ( ميدان مدرسة أبوزيد في بانت المؤتمر ) ميدان جامع أبو سنون بحي مايو شمال ، ميدان المدرسة الأهلية الواقع بين الأهلية ب ومدرسة الغربية ، الميدان الموازي لميدان بانت ...و... والعديد من الساحات الأخرى وعليك أيها القاريء أن تحصي كم ساحة في حارتكم كانت منفذ للرياضة والترويح عن النفس تم الإستيلاء عليها ، ومن أعقد الأسباب وأخطرها على الإطلاق ( ديكتاتورية ) إدارات الأندية وتشبث أفرادها بالمناصب لسنوات طويلة ومحاربة الشباب الذي هم أمل المستقبل المشرق ، وهذا النوع من الإدارات للأسف موجود حتى هذا التاريخ ويمكن أن نسميهم بالاسم في النادي الفلاني فلان وعلان وهكذا .... تواصل الأجيال مطلوب لكن أن تظل الإدارات أكثر من ربع قرن بدون تبديل ولا تجديد !!! وهذه من ضمن الأخطاء التي يجب تصحيحها ، كيف نضمن إستمرارية مثل تلك الأندية التي تحارب الشباب وتمنعهم من المشاركة في إتخاذ القرار وتلك طامة كبرى يكتوي بها كل من عمل في مثل تلك الإدارات وهي من ضمن الأسباب التي أدت إلى سقوط الأندية فلا هي واصلت بنفس العطاء ، ولا هي تركت الحرية للشباب لكي يعمل ويبدع و يواصل العطاء ، إدارات الأندية يقع عليها كثير من اللوم وهي من ضمن الأسباب التي أدت لتدهور الأندية وسقوطها واحد تلو الأخر ، كما ظلت الأندية في السنوات الأخيرة تعاني من عدم وجود الأكفاء من الإداريين الناجحين الذين يستطيعون التخطيط السليم للنادي ، فمعظم الإداريين لا يملكون نظاماً حديثاً يستندون إليه أو خطة عمل يسيرون بها النادي فالتخبط سمتهم والشلليات والتكتلات ديدنهم ، نسى الإداريون رسالتهم الحقيقية فنجد معظمهم أهمل المناشط الأخرى وأنصب الإهتمام فقط بمنشط كرة القدم ومع ذلك لم يفلحوا في تقدم أنديتهم فصارت تتهاوى ساقطة من الأعلى إلى الأدنى بسهولة ويسر ،فهجر الجمهور الملاعب بسبب تدهور المستويات وضعف المنافسة .
ومن الأسباب أيضاً غياب التخطيط السليم والدراسة التخصصية في إدارة العمل الرياضي ....و... في ظل هذه الأوضاع كان من الطبيعي أن تنهار تلك الأندية ... ولن يشفع التاريخ بالبقاء لأحد ...
الأندية الرياضية في مدني كان لها دور بارز ورسالة واضحة في الحياة العامة الرياضية والإجتماعية والثقافية والسياسية ، وهذه الأندية المذكورة لها تاريخ رياضي مُشرف ، قدمت الكثير في شتى المجالات وخلقت لنفسها مكانة كبيرة في نفوس الناس فكانت ولازالت لها العشق والهوى ،حيث شكلت هذه الأندية في السابق ملاذ آمن يرتاده الجميع فهي مكمن التعليم والثقافة والفنون والرياضة ، وأبوابها مفتوحة للأعضاء وغير الأعضاء تقدم الخدمات المتنوعة بدون كلل ولا ملل.
ما لم تتضافر كل الجهود الرسمية والشعبية بكل القطاعات والفئات لن نستطيع أن نُنُقذ تاريخ رياضة مدني الحافل الممثل في تلك الأندية التي قدمت الكثير لمدني .... الموضوع يحتاج لبعُد نظر وتفكير سليم لبحث أفضل السبل للمحافظة على القديم ، والعمل على دراسة الأسباب والمسببات التي هبطت بموجبها الأندية العريقة وتدهور الأندية الأخرى .... المناشدة لكل أصحاب المسئولية في وزارة الشباب الولائية ونخُص هنا سعادة الوزير الولائي ( الرياضي الأصل ) عبد العزيز عبد المنعم حافظ صاحب المبادرات والوقفات القوية لمراجعة هذا الوضع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه على وجه السرعة قبل فوات الأوان .... كذلك نناشد إتحاد كرة القدم بمدني والأندية لبحث هذه الظاهرة ، وذلك بعمل ورش عمل وندوات ومحاضرات ولقاءات مفتوحة عبر الإذاعة والتلفزيون الولائي .

15/6/2005م

 
 

مبارك محمد المبارك

 

راسل الكاتب

 ودمدني الرياضيه