مآثر رجل

بقلم / بروفسير عوض أبوزيد مختار

 

فقيد أمة .... ومآثر رجل

في التاسعة من مساء أول أمس غيب الموت واحد من أهم رموز التعليم العالي بالسودان ، رجل من أنبل وأغلى الرجال ، ذلكم هو العالم الخلوق البروفسير عبد الرحمن أبو زيد ، أحد أبكار المثقفين السودانيين ، الذين أسهموا منذ نهاية الخمسينات في الحياة العامة في بلدنا الحبيب ، وكان رحمه الله نعم الابن البار لهذا الوطن ، روحه زينها بالأخلاق وجملها بالمكارم ، وهو من المسئولين الذين يسخرون عطاءهم لخدمة وطنهم فنفخر ونعتز بشجاعته ، لنصرة الحق وحب الخير ومروءته وعدله وأصالته ونخوته ، وقد استطاع خلال عمله كمدير مؤسس لجامعة جوبا ، أن يحوز حب وتقدير أخوتنا الجنوبيين ، بما حباه الله من خصال كريمة وعقل وتدبر ، وفكر ناضج ، وقلب مفتوح للجميع ، فأستحق بجدارة حب وتقدير الجميع ، وفي حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " ما شئ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله ليبغض الفاحش البذيء .
هذا الرجل المتفرد نفخر ونعتز بأنه ولد ونشأ وترعرع بمدينة ودمدني ، ثم وبعد نيله درجة الدكتوراه من كندا ، عمل محاضراً بجامعة ماكريري بيوغندا ، ولعل أحد أهم إنجازاته  وهى كثيرة  تأسيس جامعة جوبا ، بالتعاون مع المرحوم بروفسير السماني عبد الله يعقوب ، كما تقلد منصب الأمين العام للتعليم العالي ، ثم كان له والمرحوم بروفسير محمد عمر بشير القدح المعلى في تأسيس جامعة أمدرمان الأهلية ، ثم نجاحه في إنشاء الكلية الوطنية ، ومسك الختام كان افتتاحه لجامعة أمدرمان العربية العالمية ، وذلك في العام 1994م.
يقول الشاعر :

سَمَا .....ُّ بغَيرِ اختيال فَذَّا العَبقريُّ من خيَارِ الَّرجِال
بَنَّى (..ٌَ) خَيرَ صَرَحٍ لَعلمَ بإَرشاد (...) فَأضحَّى مِثال
رجلٌ حَكَيمٌ لَّطيفٌ حليمٌ شريفٌ كريمٌ بغَيرِ جِدَال
تَقَلَّبَ في غَيرِ ما منصَبِ فأثنَت قُلُوبٌ وأثنَى الَمقَال
عَليه بصِدقٍ وحازَ بحق من النَّاسَ إعَجابَهُم وَالوَصَال
جَنَاحَ التوَاضُعِ يَخفضُهُ لمن فاضَ علماً وَجافى التَّعال
عطوفٌ وُدودٌ فتُهدَى وُرُودٌ ببَسمَته أو كذَاكَ نَخَال
جَزَاهُ الإلَهُ نَعَيماً مُقيماً وعاشَ لأجلِ رضَا ذي الجَلاَل

وأنت حين تتحدث عن الأخ بروفسير عبد الرحمن أبو زيد فأنت أولاً تقف أمام رجل لماح سريع البديهة بالغ الفطنة والانتباه ، كما تقف في مواجهة إنسان واقعي عملي ، لا تعرف المبالغة والتكلف والمزايدة إليه طريقاً ، وأنت من بعد هذا وذاك تقف في مقابل شخصية متعددة المواهب والاهتمامات ، تحمل فلسفة إدارية خاصة في الإدارة وكل ما يتصل بها .، وحديثي عن الأخ عبدالرحمن أبوزيد ،هو في الواقع حصيلة معرفة وثيقة تجاوزت العشرون عاماً ، فقد عملنا معاً بجامعة جوبا ، ثم بمواقع كثيرة بالتعليم العالي .. ومع المعرفة الطويلة تتكشف للمرء جوانب كثيرة من شخصية رفيقه .. يراه في حالتي غضبه ورضاه .. وحالتي حزنه .. وسعادته ، وحالتي يأسه .. ورجائه . واشهد الله أنني لم أره غاضباً قط .. الأدق أن أقول إنه كان دائماً قادراً على إخفاء غضبه ( وليس الشديد بالصرعة ) ، لم اسمعه يتلفظ بكلمة نابيه واحدة بحق أحد .. حاضراً كان أو غائباً ، وتلك خصلة حميدة ، فالأخ عبدالرحمن أبوزيد يتصف بحسن الخلق والتواضع وحب الناس ورغبة شديدة في قضاء حاجات الآخرين وحل مشاكلهم ، وخدماته لبلاده كثيرة وشاملة سواء تلك التي قدمها عندما كان أستاذاً بالجامعة ، أو عندما كان مسئولاً بالتعليم العالي ، فقد بذل جهداً جهيداً وعملاً متواصلاً حتى تم له ما أراد جزاءه الله عن بلدنا الحبيب خير الجزاء وجعل ذلك في ميزان حسناته ، وإنني لن أستطيع مهما قلت أن أوفيه حقه ، باختصار شديد إن أبا ياسر رجل فاضل كريم الأخلاق ، عف اللسان ، عفيف اليد ، كثير الحسنات ، دمث التعامل ، مثقف واسع الثقافة ، عالم واسع المعرفة .
، ولا شك أن من صفات المؤمن التسليم لقضاء الله . فالحمد لله على القضاء ، ومما يصبرنا كذلك تذكر المصاب بوفاة رسولنا الكريم عليه الصلاة والتسليم ، حيث قال : ( إن أصاب أحدكم مصيبة ، فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب ) .
إذا ذكرت مصيبة تسلو بها فاذكر مصابك بالنبي محمد
أحسن الله عزاءنا جميعاً في الفقيد العزيز ، والهم أبناءه وزوجه السيدة كارن كونينق أبوزيد ، وأسرته ومحبيه الصبر والسلوان ، والشكر نجزله لسعادة السفير الأخ محمد أمين الكارب ولنائب رئيس البعثة ، الوزير المفوض الأخ يسن عوض إسماعيل ، والأخ العميد أ.ح الطيب المصباح الملحق العسكري لسفارة السودان بالمملكة العربية السعودية وللأخوة المستشارين ، وأسرة السفارة ، والشكر موصول لأخي العزيز الأستاذ / أحمد عبد الوهاب الممثل الإقليمي لغوث اللاجئين ، وللأخوة في التنظيمات السياسية والروابط الرياضية والجهوية ، وأساتذة الجامعات ، والأطباء السودانيون ، ولأبناء شعبنا الكريم ، الذين تقاطروا من كل حدب وصوب ليشاركونا العزاء في الفقيد العزيز بدار الجمعية بالرياض مساء أول أمس الجمعة .
رحمك الله يا عبد الرحمن ، وغفر لك وأسكنك فسيح جناته ، اللهم يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض إننا خلق من خلقك آمنا بك وبرسولك وصدقنا بك ، نسألك أن ترفع مقامه في المهديين، وتعفو عنه وتنزله منازل الصالحين الأبرار ، اللهم أفسح له في قبره ونور له فيه . وصلى الله وسلم على نبينا محمد ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) .




 

بروفسير عوض أبوزيد مختار
الرئيس الفخري لجمعية ودمدني الخيرية
الرياض
 

 

راسل الكاتب