الحاج عبدالرحيم أبو قرط

بقلم / عمر سعيد النـور

 

 ولد الشيخ / عبد الرحيم على أبو قرط بمدينـة دنقلا العرضي في عام 1918م ، ونزح لمدينة ودمدنى في ريعان الصبـا مع والدتـه الحاجة ( عديله ) ، وكانت امرأة بيضاء اللون ، هادئة في حديثها وفى حركتها ، تراها تجوب المنزل في همة ونشاط بثوبها الطويل والطرحة تلف رأسها بعناية شديدة ، أشبه ما يكون بما يسمى الآن بالحجاب . وكانت شأنها شان نساء دنقلا ، والريف المصري تجيد صنع الخبز البلدي ( الشمسي ) ، وصنع الطعام وتقديمه بشكل لم تتعوده نساء المدينة ، وكان لها بالمنزل فرن بلدي صغير لهذا الغرض تصنع فيه الخبز وصينية البطاطس أو السمك ، وغيرها من المأكولات .

 وبمدينـة ودمدنى كانت محطته الأولى بمنزل قريبه الشيخ ( أبوزيد مختار ) الدنقلاوى ، ثم كان لقاء الشاب عبد الرحيم بحرمه المصون الحاجة ( شامة ) ، فكان الزواج الميمون ، والذي كانت ثمرته ( عثمان وعبده وأحمــد وسـعاد وسـيده ) ، والحاجـة      ( شـامة ) هذه هي ابنة الشيخ ( حسن محمد طه البصير ) والذي سميت باســمه ( حلة حسن ) تلك الحلة الشهيرة التي تقع إلى الشرق من سكن العاملين برئاسة مشروع الجزيرة ، وكانت امرأة متميزة بين نساء الحي في ذلك الزمان بشكلها المهيب ووجها الصبوح ، كانت طويلة القامة متوسطة الحجم ، تراها إلي جانب الثوب السوداني الأبيض ترتدى طرحة تلف الرأس بشكل جميل ـ النساء كبيرات السن والذين سبق لهن السفر لاداء فريضة الحج ، اشتهرنا بلبس الطرحة مع الثوب ـ فكنت متى رأيت امرأة تلبس مثل تلك الثياب فهذا معناه أنها حاجة لبيت الله الحرام ، وعرف عن حاجة شامة أنها كانت تداوم على أداء فريضة الحج سنوياً ، وكان لها كنتين بحي ود أزرق أشتهر بأسم دكان حاجه شامة ، والجدير بالذكر  أن هذا الحي أشتهر بوجود مجموعة من النسوة كن من ذلك النوع النادر واللائى اشتهرن بقوة الشخصية وحسن المظهر والوجاهة ، وذلك على مستوى المدينة ، وأذكر أنه إلي جانب حاجة شامة كانت فاطمة بت توفيق ، ورقية بت الفكي محمد ، وحنينه بت عبادي ، وفاطمة بت شرف الدين ، ودار النعيم ، وحاجة شبنة.. زمن .

ولنعد لشـيخنا عبد الرحيم أبو قرط ، فأول ما بدأ به في مجال التجارة هو كنتين بحي ود أزرق مقابل لمنزل رمضان الفرنساوى على طريق سنكات جبرونا ، أنتقل بعدها بمفرده لمدينة ( أبو عشر ) ، حيث أفتتح له دكاناً متميزاً بسوق أبو عشر ـ يقع السوق إلي جوار قنطرة الري ومستشفي أبو عشر ، أما  الأسرة فقد مكثت بود مدني ، فكانوا يرسلون له الأكل على قطار ( الكليتون ) وما أدراك ما الكليتون ، ذلك القطار الذي يتحرك من أمام محطة ودمدني في تمام الرابعة إلا ربعاً عصراً دون تأخير أو تقديم ، ـ أين نحن الآن من كل ذلك الانضباط ؟ ـ .  وكانت للشيخ علاقات متميزة بأهل أبو عشر أذكر منهم طيب الذكر الشيخ عبد الرحمن النجومي رحمه الله  .

أما المحطة الثالثة له فكانت الموقع الذي أشتهر به بالسوق الكبير بمدينة ودمدني ، ويقع المتجر إلى الغرب من متجر ( أبو شمس ) ، وكان سوق ودمدنى وقتها ذاخراً بالمتاجر والتجارة مزدهرةً بدرجة كبير فقد كان مشروع الجزيرة في أوج مجده ، وكانت مدني قبلة أهل الجزيرة في التسوق ، يشترون كل احتياجاتهم من سوق المدينة ، حيث أشتهر من كبار التجار في ذلك الوقت عوض الكريم الخواض وأحمد ومحمد عبد اللطيف وسالم أبو سنون وعباس كنين وحسين عوض ، وطه حسن إبراهيم ، وعلى الليثي وعلى الزبير وعثمان سلمان والريح عمران أبو عيسي ، وصالح عيسي أبو عيسي وميرغني حسن أبو عيسي وعلى علقم وعبدالمعنم بادي ، والحاج الريح إبراهيم الريح ، وإسماعيل إبراهيم الريح والحاج محمد موسى عبد الناصر ، وعبد العزيز كرار ، والحاج عبد الرحمن أبو ستة والحاج بحر عبد الرحمن ومحمد الحسن وتاج السر وعثمان النقيب ، ومختار الطيب ، وإبراهيم رمضان ، ومحمد حمد ، وعبد الله الكامل ، وعلى الحورى ، الخليفة محمد أحمد عبد الله ، ومحمد الحسن أحمد مختار الشهير بغاندي ، والجاك ويوسف عامر وعز الدين مصطفي ، وصلاح هاشم وإبراهيم ثلاجة وصالح على صالح وموسى العربي ، وبابكر أحمد بدري ، وحامد الجبلابي ، والأمير / حاج يوسف أبو الروس والطيب أحمد نقد ، ورمضان الفرنساوى ، وعبد الله مدني يحي ، وعبد الرحيم عيسي ، ومن الخواجات كان هناك جونو ، والياس حنون ، وبرغاري . وجورج الحلواني     ( صاحب الحلواني الشهير قرب مكتبة مضوى ) والذي أشتهر بصناعة عصير الجنجبيره ، فما أحلى ولا أنعش من خلطة كأس الآيس كريم بزجاجة جنجبيرة ( في كباية شب ) !! وأذكر أن جدنا الحاج عبد الرحيم أبو قرط ، كان يرسلنا لإحضار شراب القهوة في فناجين راقية لضيوف متجره من كبار الموظفين ، وكان لقهوة هذا الخواجة وش ذهبي ، ثم كان هناك عبقري النجارة في عصره طه الرفاعي والذي أنشئ لنفسه أول معرض من نوعه إلي الشرق من متجر حاج عبد الرحيم أبوقرط لمنتجات ورشته بالمنطقة الصناعية من الأخشـاب ، فالناس في ذلك الزمان  لم يكونوا قد تعودوا بعد على هذا النوع من المعارض ، وإنما المتعارف عليه ، أن شراء الموبيليا يتم من ورش النجارة بالمنطقة رأسـاً ، وقد شهد السوق معرضاً أخراً بجوار مطبعة الأستاذ / أحمد إبراهيم حمد (دار النيل الأزرق )  ، وكان صاحب ذلك المعرض للموبيليـا أحمد عبد الرحيم أبو قرط ، وأحمد هذا هو دائماً صاحب أفكار تسبق عصره ، ومن أشهر الصاغة في ذلك الزمان حسن عبد الرحمن والحاج مصطفي المصباح والحاج عطا المنان سنهوري وأخيه عبد الرحمن وصلاح أبو إدريس ومن المقاهي الشهيرة ( بوزمات ، يوسف أبو لبدة ، الأمين ود حمد ومحمد زين ) ومن أشهر المطاعم ( الأندليس ، كشك ، أبو ظريفة ، حسن جاد الله ) ، وأشهر الأفران فرن بهجت في موقع البنك الإسلامي حالياً وفرن عبد الحليم خليفة بجوار كباشي الحلاق ومحل المعلم صالح محمد توم الترزي الإفرنجي الشهير وفرن عثمان الطاهر عساكر بجوار موقف التاكسي سابقاً ، وكثيرون مما لا يتسع المجال لذكرهم فأرجو المعذرة .

 وأذكر إلى جوار متجر حاج عبد الرحيم كان توفيق المليح وريمون صقال وبابكر الفكى أحمد الساعاتي وأمين بركات الترزي الإفرنجي الشهير ، ودكان تمساح للخردوات وفرح الأطرش المصوراتى ، وبلغاري رئيس الجالية الإغريقية بودمدنى وكان تاجراً كبيراً ، ومكتبة الفجر لصاحبها الأستاذ / محمد سيد أحمد ، والمكتبة الوطنية لصاحبها عيسي عبد الله ، وفندق الجزيرة لصاحبة الحاج محمد سليمان الدمياطي ، وكان متجر الحاج عبد الرحيم قبلة لكبار موظفي الدولة وعلى وجه الخصوص وزارة الري ، فكان من زبائن المحل المهندس حسن كافي والمهندس محمود جادين والمهندس صقيرون الزين وهؤلاء جميعاً تعاقبوا على منصب وكيل أول وزارة الري في ذلك الوقت ، والمهندس مزمل عبد الرسول والمهندس عبد الحميد مرسال والمهندس حسن زروق والمهندس محمد مضوى ، والمهندس صابر محمد سليمان  وغيرهم من جهابذة المهندسين بوزارة الري ، وكان للجميع حسابات جارية بالمتجر ، كما أشتهر أبوقرط بأنه المتعهد الوحيد لحفلات الأفراح بالمدينـة منذ عهد الإنجليز ، فكل الحفلات الرسمية للمديرية ومشروع الجزيرة ووزارة الري واتحاد المزارعين كانت تتم بواسطته ، وكان إخراج تلك الحفلات يتم بشكل رائع ، فالعمال لباسهم متميز  ( الجلباب الأبيض والحزام الأخضر والميدالية على الصدر وتصنع من قماش الستان على يد الترزي الفنان على الجقير بدكان عز الدين مصطفي ) ، تزين الموائد الزهور ، وتمتلئ الموائد بأنواع التورطات والجاتوهات وأنواع البسكويت البلدي والمستورد وكذلك الحلوى ، إلى جانب المشروبات الباردة والساخنة ، وأذكر أن حفل الشاي لمائة شخص لم يكن يتكلف أكثر من خمسة وعشرون جنيها ـ زمن ـ . وهذا المتجر كنت تراه عند قرب الأعياد مزداناً بالزينات والأنوار  تحيط به الطاولات ذات الملاءات البيضاء في جنباته الثلاث ، وترى علب الحلوى موضوعة بشكل جميل وملفت للنظر إلى جانب صواني القريبة وأنواع البسكويت المختلفة ، وكان معظم مرتادي المحل قبل وقفة الأعياد من أهل الجزيرة من المزارعين وغيرهم ، فقد أشـتهر المزارعون في ذلك الزمـان بأنهم في وقت الصرفيــات ( ملوك السوق ) يصرفون بنوع من البذخ وبلا منافس .

فكنت تراهم وهم يشترون الخبيز في شنط خاصة مصنوعة من الصفيح ، إلي جانب علب الحلوى ، وزجاجات العصير ( الشربات ) ، وهم عادة ما يحضرون للمدينـــــة بعربات النقل ( اللوارى) والتي تكتظ بالناس رجالاً ونساءً ، فتجدهم يشكلون زحاماً أمام المحل لا تخطيئه العين ، يقوم على خدمتهم العشرات من أبنائه وأحفاده ، في همة ونشاط ، وكان موسم الأعياد فترة تسويقية كبيرة للحاج عبد الرحيم أبو قرط .

جانب آخر أهتم به شيخ أبو قرط وهو جانب المولد النبوي الشريف ، فله أيضا متجراً متميزاً بالمولد ، يتم حجزه له بواسطة مأمون موظف البلدية المختص ، وإن لم يحضر مزاد المولد الذي تقيمه البلدية ( سنوياً ) قبل أيام من بداية المولد النبوي الشريف ، ـ وذلك منذ أن كان المولد بموقع مركز رعاية الشباب ونادى النجوم حالياً بالقرب من السكة حديد ـ ، وتبدأ الاستعدادات لاستقبال ليالي المولد ـ عند شيخ أبوقرط ـ قبل شهر تقريباً من ميعاده ، حيث ينهمك عمال المحل في أعداد الحلوى من السمسمية والفولية والحلاوة البلدية البيضاء والحمراء ـ وهى نوع من الحلوى الهشة طيبة المذاق ، والجوزة التي أبتكر صناعتها بالمدينة وأشتهر بها شيخ أبوقرط ، هذا طبعاً إلى جانب قوالب العرائس المزدانة بالشمسيات وثياب الورق الملونة والحصين وغيرها ، ومن دكاكين المولد الشهيرة في ذلك الزمان ( أبو لبدة ـ وبارد بس ـ زائيطة ـ عبد الودود قدوره ) وغيرهم .  وأذكر أنه أبان الفترة التي أفتتح فيها متجراً بمدينة الدمازين ، قد قام وبالتضامن مع بعض التجار وكبير المهندسين بالدمازين بإقناع مفتش المركز ( يوسف محمد سعيد ) لتخصيص موقع بالمدينة لاقامة المولد النبوي الشريف ، وكان لهم ما أرادوا ونجح الاحتفال بدرجة كبيرة ، وحقق إقبالاً جماهيرياً منقطع النظير ، وكان الناس يحضرون للمولد من مناطق تبعد مئات الكيلومترات من مدينة الدمازين . وقد درج أهل المنطقة من بعده على الاحتفال بهذه المناسبة الدينية الكبيرة كل عام .

متجر الحاج عبد الرحيم أبوقرط كان من المتاجر المتميز بمدينة الدمازين ، جمع فحوى كل شئ ، فتجد به الخردوات والأقمشة والبقالة ، والأحذية ، والريحة ، والأنواع المختلفة للدقيق ، إلى جانب كول بوكس للمحادثات التليفونية ، وتجد أمام المتجر عدداً معتبراً من الترزية ( بلدي وإفرنجي ) ، باختصار فأنت كنت تأخذ كل احتياجاتك من المتجر ، ولذلك كان يشهد ازدحاماً ملحوظا  من الناس خاصة في الفترات المسائية وأيام الإجازات . وقد أشتهر هذا الشيخ الوقور بالكرم الذي يفوق حد الوصف ، فتجد صواني الأكل تخرج من المنزل ـ وهو مجاور للمتجر ـ في أوقات الوجبات بما يكفي كل من كان بالمتجر وقت الوجبات ، وتراه يلح على الجميع بشكل ملفت للنظر . وكانت تقوم على الخدمـة زوجة إبنه  أحمد ( محاسن ) ، وهى امرأة من النوع النادر ، إذ لم أرى لها مثيلاً في الصبر ، والكياسة والأدب الجم ، هذا طبعاً إلي جانب مهارة الطبخ التي لا تضاهي ، والداخل للمنزل يراها تكد وتعمل على مدار اليوم دون كللٍ أو ملل .   

مكث ( الشيخ ) بمدينة الدمازين فترة من الزمن ، ثم ترك المتجر لابنه ( عبده ) من بعده ، وعاد لمدينته الحبيبة ( ودمدني ) ليعيش بين أهلها الذين أحبهم وأحبوه ، وقد أشتهر رحمه الله بأن له غرفة بالمنزل ، يسميها عيال الأسرة ( بغرفة الآخرة ) ، فقد كان يحتفظ بتلك الغرفة بكمية  مقدرة من الأكفان والحنوط ، والأغراض الأخرى وسبب هذه التسمية أنهم كلما رأوا مصباحها مضاءً ، أيقنوا أن شخصاً ما من أهل الحي أو المعارف قد أنتقل للدارة الآخر ، حيث كان رحمه الله يسارع فور سماعه لنبأ الوفاة للغرفة ليأخذ من الدولاب الكفن والحنوط ، ويسارع لمنزل المتوفى بأقصى سرعة ممكنة حتى لا يسبقه أحد في توصيل الكفن والحنوط ، وتحضرني هنا أنه في إحدى الليالي الممطرة سمعت طرقاً علي باب المنزل ، فوجدته ـ رحمه الله ـ يقف أمام الباب وقد تلطخ جلبابه بالوحل ، وفي الداخل علمت منه بوفاة الحاج موسى العربي ، ـ كانت تجمعه به صداقة قوية ـ ، وأنه لم يشأ إزعاجي في تلك الساعة المتأخرة من الليل ففضل أن يذهب على رجليه لمنزل الفقيد بحي المدنيين جنوب قبة ودمدني السني مباشرةً ، عموما بعد الفراغ من تغيير ثيابه وتضميد جراحه ، ـ حيث رفض بإصرار أن اذهب به للمستشفي ـ إذ كان الجرح غائراً بساقه اليمني وينزف بغزارة ، وكان يستعجلني في الذهاب بإلحاح كبير لمنزل الفقيد ، وخرجنا من المنزل مسرعين ، وفي السيارة لاحظت للمرة الأولى اللفافة التي كان يحملها ، وعند سؤالي له عن ما بداخلها أفاد بأنه كفن وحنوط ، ولذلك فهو يود الإسراع بهما قبل غسل الجثمان ـ وستدهشون عندما تعلمون بأن المتوفى كان تاجراً معروفاً للقماش  في المدينة ، بل وأنه هو الذي يشترى منه دائما احتياجاته من أقمشة خاصة بالأكفان ؟!! ، وعند وصولنا لمنزل الفقيد كان حزنه وألمه كبيراً  ،  بل وبكى بحرقه عندما وجد أن أبناء الفقيد قد قاموا باللازم من غسيل وتكفين وخلافه ، وكانت الجنازة جاهزة تماماً . فأخذ ـ على غير عادته معي ـ يعاتبني عتاباً شديداً أن تسببت في التأخير بسبب إصراري على تضميد جراحه ، وبسبب مناقشاتي معه بشأن الذهاب للمستشفي ، وهما أمران أخذا جزءاً كبيراً من الوقت . أبناء الفقيد تدخلوا وهونوا عليه بأن الفقيد كان يحتفظ في المنزل بكفن ، وأنهم جهزوا الجنازة منذ فترة طويلة . وهو أمر خفف علي الهجوم .

ومما أشتهر به عليه رحمة الله في المآتم ما عرف ( بقطر أبو قرط ) ، حيث درج في مناسبات المآتم أن يحمل لمنزل المآتم عدداً كبيراً من الصواني المليئة بأصناف الأكل المختلفة ، فتراه بجلبابه الأبيض والعباءة على كتفه ، والعصا معلقة بطريقة خاصة بيده اليسرى ومن خلفه رهط من الأبناء يحملون صواني الأكل ، هذا إلي جانب شاي الصباح الذي غالباً ما يكون في كفتيرات كبيرة إلى جانب أنواع من البسكويت البلدي والخبيز .

وأذكر أن الشئون الدينيــة والأوقاف كانت تحتفل كل عام بإحياء ليلة السابع والعشرين من رجب باحتفال بميدان الملك ( الحرية ) ، يتحدث فيه كوكبة من العلماء ، كما يشهد نفس المكان إحياء ليالي شهر رمضان المعظم ، وبخاصة العشرة الأواخر من هذا الشهر الكريم ، حيث تستقدم الوزارة علماء من الأزهر الشريف ، يتم توزيعهم على مختلف مدن السودان ، وكان لمدني نصيب من هؤلاء بما عرف في ذلك الزمان بـ . (الواعظ ) ،  وكان الواعظ يجلس على دكه عالية أو مسرح ، ويزدان المكان بالزينات ولمبات الإضاءة ، وفي الاحتفالين كان الشيخ عبد الرحيم أبو قرط يتولى في كرمٍ حاتميٍ تقديم الماء البارد ، والشاي بلبن ، والبسكويت لكل الحضور ، كما أعتاد على دعوة الواعظ لمنزله العامر بحي ود أزرق لإفطار رمضان ، والذي كان يضم إلى جانب هؤلاء أساتذة من المدرسة العربية ووجهاء المدينة وكبار الموظفين .

كان من المحتمل أن تكون السنوات الأخيرة من حياة  الشيخ سنوات هدوء ورضا واستقرار فقد تخلص من أعباء الأبناء بعد أن كبروا وتوظفوا وتزوجوا واستراح من (حق الفطور ) من وقت طويل .

ولو كان الشيخ يكتب مذكرات لاخذنا فكرة عن اللوعة التي اجتاحته والحسرة التي تملكته عند وفاة زوجته ( الحاجة شامة ) ، لكن الشيخ كان رجلا مؤمناً كان إماماً في علمه  وفهمه للدين ، وفي مواجهة  الآلام ، كان الشيخ يعلم أن البلاء قسمة المؤمنين وان ما يحتمل بين جنبيه من لوعات وسجل في دفتره العتيق  ، وتحدث إلينا يواسينا ويوصينا بالصبر والاحتساب ويذكرنا أن البلاء هو حظ الأنبياء ، فالأولياء ، فالأمثل ، فالأمثل ، واصاب وفاة الحاجة شامة الأسرة بضربة لم تفق منها . فقد كانت ـ رحمها الله ـ للأسـرة ذخرها وفخرها وأملها وكانت تربطها بكل فرد من أفراد الأسرة وشيجة تضرب في أعمق أعماق النفس ، وصلة وثيقة من الطفولة حتى الرجولة فضلا عن الصورة الدراماتيكية والملابسات التي وقع فيها هذا الخطب الجلل من أجل ذلك فأن الشيخ عبد الرحيم أبوقرط  لم يعد أبداً ما كان عليه قبله حتى وان كان قد استأنف العمل .

كان للشيخ عبد الرحيم أبو قرط معزة خاصة لوالدتنا ( أكبر بناته ) ، والتي كانت تشبهه في كثير من صفاته وأخلاقه ، ولذلك كان يردد دائماً ( سعاد بضع مني ) ، ولذلك كانت هي ـ رحمها الله ـ ملاذه بعد وفاة زوجه ، فهو يطل فقط على ديوان منزله بحي ود أزرق ، أما بقية اليوم فكان يقضيه بمنزلها ، وهى لم تكن تتوانى في خدمته والاعتناء بصحته وملبسة .

وللشيخ أبو قرط صلة طيبة بجميع حلقات التلاوة بالمدينة ، فقد كانت تربطه بشيخ عبدالعال خوجلى صلة قرابة ، وعلاقة صداقة قوية منذ أيام الطفولة والصبا بدنقلا العرضي ، وكانا يتواصلان بشكل منتظم ، كما تربطه صلة خاصة بحلقة التلاوة بمنزل الشيخ الشاب المهذب حمدنا علقم ، والذي كان يحبه جداً ويعتبر واحداً من أبنائه . وحمدنا هذا كان باراً بالشيخ لدرجة كبيرة ، ويعامله باحترامٍ وتقديرٍ كبيرين ، وكان الشيخ يحرص على حضور معظم حلاقات ختم القرآن الكريم بالمدينة ، ويشارك وبشكل متميز في توفير جزء من مستلزمات احتفال ختم القرآن بتلك الحلقات . فوقوف سيارة علقم أمام المنزل في انتظار خروج ( الشيخ ) دلالة واضحة على وجود ختمة في مكان ما .

وعلى الرغم من أن شيخ أبو قرط كان من رجالات الأنصار بالمدينة إلا أنه أحتفظ بعلاقات متميزة مع الأخوة في طائفة الختمية ، بل ومع كل الطرق الصوفية المدينة مثل الأحمدية والادارسـة والتجانية والقادرية والبرهانيـة ، وكان رحمه صديقاً شخصياً للشيخ شاطوط ، يحرص على زياراته بشكل منتظم ، ومن كراماته أنه وفي حضور عدد من الأحياء ، ذكر لشيخ شاطوط في إحدى لحظات التجلي : " حانمشي سوى " ، أشار بإصبعية الخنصر والسبابة " وكان . فقد رحلا عن هذه الفانية بفارق دقائق عن بعضهما ، وتم تشيعهما ، وصلى عليهما ودفنا في ساعة واحدة .

ومن الصفات المعروفة عنه مواصلته للأرحام ، فتجده في سفر دائم ما بين دنقلا العرضي والدويم وقد صحبته في العديد من تلك الزيارات وكان أغلبها لوفيات بين الأهل أذكر منها وفاة العمدة عمران والصاغ إبراهيم حسين وزوجته وحرم دكتور بشير والحاج على الحمدابي ، ورغم ضعف بصره في أيامه الأخيرة إلا أنه كان يصر على مواصلة الأرحام غير عابئ بما يلاقيه من مصاعب ، ومن ذلك سفره المفاجئ للخرطوم لتقديم واجب العزاء في وفاة دكتور خليل عثمان ، وبعد أداء العزاء ضل الطريق ، فقيض له المولى سبحانه وتعالى امرأة من المعارف لمحته فحملته إلينا بسيارتها جزاءها الله خيراً .

وعن يوم وفاته أذكر أن الوالدة كانت في الرياض في زيارة لابنتها ، وكان رحمه الله يقيم مع أبنه ( أحمـد ) في الديوان الخارجي للمنزل ، بعد أن أصيب بكدمات في رجله وآلم في صدره نتيجة لسقوطه في حفره بجوار المنزل وهو يهم للذهاب للمسجد لصلاة الصبح ، وقد تسـبب في هذا الحادث ضعف نظره كما أسلفنا ، إلى جانب الظلام الدامس الذي كان يسود المكان ، فهو يهرع للمسجد من الأذان الأول . وقد أثرت هذه الحادثة بشكل سلبي على صحته ـ رحمه الله ـ فجسمه كان ضعيفاً ، تلك الحادثة أقعدته وحبسته فلازم السرير حتى وأفته المنية ، وأعتقد أن اختياره ـ رحمه الله ـ لهذا المكان ( منزل إبنه أحمـد ) ، بالقرب ممن يحب ، له علاقة في تقديري بزوجة ابنـه ، والتي ورد ذكر لها في صدر هذه السيرة ، فقد كانت ـ أمد الله في عمرها ـ تهتم به ، وتحرص على خدمته وخدمة ضيوفه ، ومن غرائب الصدف أن اسـمها ( محاسن ) ، فقد كانت اسـماً على مسـمى فهي والحق كلها محاسـن .

يوم وفاته كان يوماً مشهوداً بالمدينة إذ كان موكب التشييع مشتركاً ، مع جنازة الشيخ شاطوط والذي توفي كما أسلفنا بفارغ دقائق عنه ، كان ذلك قبيل صلاة المغرب ، وما إن أعلن الخبر عبر محطة تلفزيون الجزيرة حتى تقاطر المئات من أهل المدينة على منزل الفقيد لتقديم واجب العزاء ، وكان التأثر بادياً على الكثيرين منهم لما للشيخ من علاقات حميمة بجل أهل المدينة . وقد استمر تقاطر هذه الكتل من البشر لساعة متأخرة من الليل .

 تجهيز جثمانه الطاهر وغسله وتكفينه تم في وقتٍ قياسيٍ ، فكل شئ كما أسلفنا كان معداً لهذه اللحظة وبواسطة المتوفى نفسه ‍‍؟‍‍‍‍‍‍؟   وتجدر الإشارة هنا إلى أن الفقيد ـ عليه الرحمة ـ كان قد ترك لدى وديعة عبارة عن مبلغ كبير من المال طلب مني وضعه بحسـابي بالبنـك ، وأوصاني بالصرف منه على الفراش بعد وفاته !!!  وأذكر أنه وقبل يومين فقط من وفاته طلب منى إحضارها من البنك ، وعندما سألته عن السبب ، قال : الظروف ما معروفة ، وعندما وافته المنية كان المصحف على صدره رحمه الله ، وعندما حاولت زوجة أبنه أحمد تهيئة المكان وجدت تحت السرير الذي يضطجع فيه لفافة كبيرة ، عندما فتحناها وجدنا بداخلها الكفن وصابون حمام وحنوط وحتى جوينتات للأيدي للغسـيل . وعند فتح الحجرة الخاصة به ( أوضة الآخرة ) ـ التي سبق لنا الإشارة إليها أيضا ـ ، وجدنا بداخلها كل احتياجات الفراش تقريباً ، من السكر والشاي والبن والزيت ، وحتى كبابي  الماء ( الشب ) ، وكبابي الشاي كل شي ، كان معداً ، وجاهزاً .

وفي حوالي الثامنة صباحاً ، تحرك موكب الجنازة ماراً بشارع البحيرية جنوباً ، هذا الشارع الذي كان يزرعه جيئة وذهاباً ما بين ديوانه والمسجد ومنزل ابنته ( سعاد ) ، حتى وصل الموكب لميدان رعاية الشباب عند شارع المحطة ، في الوقت الذي لم تتحرك فيه مؤخرة الموكب من أمام منزله . أمواج متلاطمة من البشر لم أرى لها مثيلاً في حياتي . وتمت الصلاة على الجنازتين بميدان رعاية الشباب ، ومن ثم أتجه موكب تشييع شيخ أبو قرط إلى مقابر ودمدني ، في معية أعداد غفيرة من أهل المدينة ، وفي المقابر كانت هنالك حشوداً مماثلة أخرى من البشر . فقد حرص الجميع على وداع هذا الشيخ الجليل حتى مثواه الأخير ، وقد رأيت الكثيرين من أصدقاءه ومعارفه وهم يذرفون الدمع على فراقه ـ رحمه الله ـ ، كما تحدث البعض الآخر معددين مآثر الفقيد ، وأذكر منهم فهمي البوشي ، والذي قال كلاماً مختصراً وعفوياً ولكنه كان مؤثراً للغاية عن الشيخ ومآثره .

أما الوالدة ـرحمها الله ـ بعد أن عادت على عجل من الرياض أثر سماعها نبأ الوفاة ، فقد كان مصابها يجل عن الوصف وأذكر أنها قبل وفاته كانت تمتاز بالحيوية والنشاط الجم ، فأصبحت مثل جليلة في القديم وتمزقت ، ولم تلبس قليلاً إلا ولحقت به .

ومن غرائب الصدف أن يكون قبر الفقيد العزيز مجاوراً لقبر طيب الذكر المغفور له بإذن الله الأستاذ / احمد خير المحامي ، ذلك الرجل العلم والمناضل الجسور ومؤسس مؤتمر الخريجين بمدينة ودمدني ، فكلاهما علامة مضيئة بمدينة ودمدني ، وكلاهما تم تشييعه على نحوٍ مشرف ، ولم يسـبق له مثيل ، وكلاهما كانت تربطه بالآخر علاقة حميمة . وأذكر أن أبن الفقيد ( أحمد أبوقرط ) ، قد بني لوالده بناية شبيهة لحد كبير بالبناية التي على قبر الأستاذ أحمد خير ـ عليهما الرحمة ـ والزائر لمقبرة ودمدني يجد في الجانب الغربي منها يري بوضوح ومن مكان بعيد هذين القبرين المتميزين ، نسأله تعالي أن يكون أصحابهما متميزين أيضاً في الآخرة أنه سميع مجيب .

وقد شهدت أيام المآتم ـ والتي امتدت لأيام عديدة ـ وصول وفود من معظم قرى الجزيرة وكوستى والدويم والخرطوم وأبو عشر إلى جانب أحياء جزيرة الفيل وحلة حسن وعووضة وأم سنط  وحنتوب والدناقله ، فقد كانت للفقيد العزيز ـ عليه الرحمة ـ صلات حميمة بكل هؤلاء ، وله أياديٍ بيضاء على الكثيرين منهم .

وقد دهش الجميــع ليلة ( رفع الفراش ) عندما وقف الأخ موســى أحمد خليفة ( كزام ) متعهد الحفلات المعروف بالمدينة ، وحكي للحضور ما وصفها بأنها من غرائب القصص التي تمر عليه في مهنته هذه ، وخلاصة القصة أن الفقيد عليه رحمة الله حضر إليه قبل فترة ليست بالطويلة من وفاته وسأله ـ بحكم تجربته ـ عن تكلفة فاتورة ( المآتم ) لأكبر فراش بالبلد ، وعندما ذكر له أنها ما بين كذا .. وكذا ، قال : فوجئت به وهو يخرج من جيبه مبلغاً من المال ، ويسدد لي الرقم الكبير من تقديراتي ، واستطرد بأنه عندما ســأله عن من توفي لهم ، قال : (( لا يا ولدى لم يتوفي أحد والحمد لله ، ولكني أريدك عند وفاتي تحضر صيوان كبير وعدد كافي من الكراسي والصبارات والغسالات ، فأنا لا أريد أن اشق على أهلي بتكلفة الفراش من بعدى ؟!! )) ، فقد كان ـ رحمه الله ـ أكثر استشعاراً بقرب الأجل ، مستخيراً الله في نفسه . فهو يشعر بالموت ويستقبله بطمأنينة المؤمن .  

لا يمكن أن يكون هذا الحشد من الناس ، وهذا الطوفان من البشر الذي عزى في الشيخ عبد الرحيم أبو قرط كان لموقعه وحضوره الكبير على الخريطة الاجتماعية بالمدينة . الأمر الذي يبدو لي يجاوز ذلك إلى منحى إنساني بحت ، إذ أن من يسوقون أنفسهم إلى مواقع واجب العزاء لايمكن أن يكونوا بهذه الأعداد الضخمة التي ضاق بها منزل الفقيد على سعته ، واستمر تدفق المعزيين أكثر من أيام العزاء المتعارف عليها . مما يعنى أن فضله بعد فضل الله لم يقتصر على مكان معين أو يقتصر على أناس دون غيرهم .

من هنا نتيقن أن الذي عزي فيه هو الرجل ( الطيب ) الراحل وهذا هو الفرق في عزائنا في الرجال :  ( من يعزى فيه من باب الواجب ) ، و.. ( من يعزى فيه ألماً وحسرةً وأسفاً على رحيله ) .

 كان رحمه الله مدرسة في الإخلاص وحسن التصرف والطيبة والوفاء والإحسان والإخلاص لربه وأهله ومعارفه ، وكل المعاني والخصال والصفات الحميدة ليس لهذه المدرسة سوى خصوصية ومنهجية حددها ( شيخ أبو قرط ) نفسه ، من النادر أن تقترن في أحد الأشخاص غيره ، إنما هي تواجدت بروح فقيدنا العزيز .

المهم أن هناك من يخلق ليتلذذ بفعل الخير وقد كان الراحل ـ رحمه الله ـ من هؤلاء الذين يبسطون أيديهم لعلمهم أن ما يبقي هو الذكر الطيب والدعاء ، وقد كان له ذلك ، فبعد أن أختاره الله سبحانه وتعالى إلى جواره لم يبق لســان لم يلهج بالثناء عليه ، ولم يبق قلب لم يدع له بالرحمة والمغفرة .

إن المرء يتحسس الرضي الكامل عن نفسه وعن الفقيد وهو يجد أن سحباً أخرى من العواطف والمشاعر والنظرات تحيط به .. تأخذه إليها .. تسـتعيده نحو سماوات بيض من العواطف والتعاطف والتقدير .. التقدير الذي أنسكب عفوياً من كل اتجاه مثلما تفعل شلالات أمطار عذرية مباركة تتوالى على غسـل كل آثار موجودة للحزن .

برحيل فقيدنا العزيز فقدنا أحد الرموز الشامخة بمدينة ودمدني وشخصية اجتماعية لها مكانتها المرموقة في المدينة جسدت بصماتها في ذاكرة التاريخ ، والتاريخ لا ينسي الرجال العمالقة ممن ساهموا في وضع الأحداث بمواقفهم الإنسانية المشرفة . وأنني أجزم ومن موقع معاصرة لمناسبات عديدة مشابهة ، لم تمر بي مناسبة مشاركة عزاء بمثل ذلك التكاثر الجماعي الذي ملأ البيت لثلاثة أيام متتالية ، وعطل حركة المرور قربه ما بين السابعة صباحاً وحتى ساعة متأخرة من الليل .... أنه استفتاء حقيقي لم نبحث عنه . ولكنا وجدنا أنفسـنا دون اختيار غارقين بكل ثنايا ذلك التعاطف المذهل .

استفتاء أنهمر عفوياً وفي مناسبة حزن كنا فيها نتحرك وسط بحر من عواطف البشر الصادقة والنظيفة والمتجهة نحو هدف واحد ، هو المشاركة الطوعية انخراطاً في غصات مرارة الحزن .  تقديراً ما أروعه حين يأتي عفوياً . فتتساءل كم بينهم من زاره مريضاً .. أو واساه مفجوعاً أو ساعده محتاجاً وكم بينهم من يدخره لظرف احتياج لا يدرى متي يأتي ؟ وكل ذلك يتم منه وهو مضمون سلوك صادق وحازم لا يعلن عنه .

والفقيد ـ رحمه الله ـ الذي حظي بهذا الحجم النادر من جماعية التشييع لم يكن رجل مال و لا رجل مركز ، بل هو رجل خير وحب الذين أتوا إلى المآتم من أناس عاديين جداً ، تحدثوا عن مشاركاته ـ رحمه الله ـ الإيجابية في علاج أم هذا ووالد ذاك ومساعدة ثالث وإعانة رابع وخامس الخ ، الذين تحدثوا عنه لم يعملوا معه أو يصادقوه لكن يده الطويلة بالخير اليد التي لا تستطيع أصابعها أن تنثني على مال كانت تأبى إلا تكون مفتوحة كريمة في أيدي المحتاجين وما كان ليسرى أن تعرف ما فعلت يد يمني لولا أن الكثيرين الذين ساندهم سخاء تلك اليد ، أبوا إلا أن يشكروه فقيداً لهم مثلما هو فقيد بيته ومجتمعه رحمه الله رحمة واسعة .

ولا يسعنا لمواجهة هذا المصاب الجلل إلا أن نرفع أكف الضراعة للمولى عز وجل مبتهلين إليه أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته ، وأن يلهم بنيه وأهله وذويه الصبر وحسن العزاء .

وقد ســرني قيام ابنه ( أحمـد ) بإحياء الذكري السنوية لهذا الشيخ الجليل في العاشر من شهر سبتمبر من كل عام ، حيث يتداعي أهل المدينة من كل حدب وصوب لهذه المناسبة وتشـارك فيها بشكل متميز الطرق الصوفيـة بالمدينـة ، وأذكر منهم الشيخ الجيلي الجعلي ، والشيخ قنديل الشيخ عبد السيد .

وإن كانت روح وجسد الشيخ قد غابت عن أعيننــا فأن صورته وأفعاله ستظل باقية في الذاكرة ، وستبقي أعماله الخيرة نبراساً لمفهوم الإنسانية ومعاني الخير بكل ما تحمله هذه الكلمات من معانٍ .

المهم ، عزاؤنا الوحيد أن نستذكر أعماله الخيرة وندعو له بالبركة في أولاده وابنائه وأفراد أسرته الكريمة .

 

راسل الكاتب