الشــيخ عبدالعال خوجلــى

بقلم / عمر سعيد النـور

 

ولد الشيخ / عبدالعال خوجلى بمدينة دنقلا العرضي في عام 1904 ميلادي ، وأنتقل إلى مدينة ودمدنى في ريعان الصبا ، حيث كان رحمه الله يعمل بهيئة البحوث الزراعية ، وقد تزوج بعد وفاة زوجته الأولى بالحاجة ( جليلة جاد كريم ) شقيقة الأساتذة / محمد جاد كريم وأحمد ، وجحا ( الموظف المشهور بمشروع الجزيرة ) ، والذي يحفظ له أهل المدينة الكثير من الطرف والأستاذ/ زكريا جاد كريم الإعلامي الشهير والمحرر بصحيفة الجزيرة التابعة للمشروع  ، ولقد رزقه الله منها بجمال وعبد الله ـ .

 ويذكر العارفون من أهل المدينة أن أول حلقة للتلاوة أقيمت بالمدينة كانت بمنزل (جاد كريم ) ، ذلك الرجل الأبيض اللون والذي أشتهر بلبس البرنيطة الشبيهة ببرنيطة مفتش المركز . وجاد كريـم هذا يقال أنه نزح لودمدنى من دنقلا العرضي أيضا .

عرفت شيخنا الكبير رحمه الله لســنين طويلة فقد كانت تجمعه بجدنــا الحاج عبد الرحيم أبو قرط صلة قرابة من ناحية والدته ، كان أبيض اللون ، نحيف الجسم ، يتكلم بصوت منخفض ، يمشي في هدوء ، وكان رحمه الله جم التواضع ، قليل الكلام والأكل ، وأتصف بالزهد والورع في جميع أموره ، ولشيخنا عبد العال خوجلى مآثر طيبة وسيرة حسنة في نشر حلقات التلاوة والذكر بمدينة ودمدني ويعود له الفضل بعد الله عز وجل في التشجيع على قيام حلقات للتجويد وتحفيظ القرآن ، مما مكنها من التوسع والقيام برسالتها فانتشرت في كل أرجاء المدينة وازداد إقبال الناس على كتاب الله حفظاً وتجويداً وتفسيراً  ( وهذا توجه يبشر بالخير ) . وأمتد نشاطه ـ رحمه الله ـ ليشمل القرى المجاورة للمدينة ، حتى ناهز عدد هذه الحلقات الأربعمائة وثمانين حلقة .

كان ـ رحمه الله ـ يدعو الناس للتمسك بالقرآن الكريم وحفظ معانية وتطبيق أحكامه وتصديق أخباره ، وقد سـخر الله هذا الرجل للعناية بالقرآن ساعده في ذلك شيوخ مخلصين اقتبسوا من أنوارهـا واهتدوا بهديها ، فكانت حركة مباركة كشجرة طيبة أصلها ثابت وجزعها في السماء ، وكان على رأس هؤلاء أستاذ الأجيال المغفور له بإذن الله / محجوب على عمر جانقى ، والذي استضاف بمنزله العامر بحي الموظفين شمال مستشفي ودمدني وشرق جامع الصائم ديمه منذ السـتينات ( حلقة ) حرص عليها يومي الأربعاء والجمعة من كل أسبوع ، حيث خصص يوم الأربعاء للتلاوة ، ويوم الجمعة للفقه والتفسير . يدرس الفقه الأستاذ الشيخ عبد الكريم عبد الله مدني يحيى ( صيصه ) ، وشيخ التفسـير الباشمهندس / عثمان محمد خيـر ( دوشي ) ـ أمد الله في أعمارهما ومتعهما بالصحة والعافية ـ.

وكان يجتمـع لهذه الحلقة كوكبة من خيرة الناس ، أذكر منهم على سبيل المثال مولانـا عبيــد حاج على رئيس القضاء السابق ودكتور محمود عبد الله إبراهيم العميد الأسبق للطلاب بجامعة الجزيرة ودكتور كامل محمد عبد الله ودكتور عوض الباشـا أخصائيي العيون المشهورين بود مدني ،  ودكتور سيد محمد أحمد أخصائي النساء والتوليد والعميد السابق لكلية طب جامعة الجزيرة ، ـ رد الله غربته ـ ، والمغفور له بإذن الله تعالى أستاذنا / فضل السيد العوض المدير الأسـبق لمدرسة السـني العليا بحي الدرجة ـ والذي كانت تجمعه صلة قرابة قوية ومحبة بالأستاذ محجوب على عمر ـ عليهما الرحمة ـ وكذلك كان هناك الباشـــمهندس صلاح أبو بكر هذا الرجل النادر الصفات ، والشاب التقي الورع حمدنا الله علقم ، ومصطفي محمد أحمد (أبو كيس) ، ومحمد سليمان   (ود السماكِ)  ، ومصطفي أحمـد الفكي ( الساعاتي ) ومحمد أمين أبو عيسي وشـيخ الضـو محمد أحمد ( الفحيص ) ، وشيخ هارون ـ وشيخ هارون هذا لم أرى في حياتي صوتاً أجمل ولا أنقي من صوته في التلاوة ـ ، يشـدك إليه شداً ، ومحمود كنانة مدير شئون الموظفين بجامعة الجزيرة ومصطفي إبراهيم حمدين وغيرهم من الأفذاذ .

أهتم شيخ عبدالعال بالشباب اهتماماً كبيراً ، وقد عرف ( الشيخ ) وأدرك أن أعظم ما يمكن تقديمه لهؤلاء الشباب تحصينهم بالقرآن وتشجيعهم على تجويد قرأته وحفظه وحثهم على الإقبال عليه والتنافس فيه .  ففي حفظ القرآن تأسيس لشباب المدينة وتهيئتهم لكي يصبحوا دعاة خير بالقرآن الكريم . وأذكر أن واحداً من هؤلاء  تحول 360 درجة ، فبعد أن كان الشر ( بذاته وصفاته ) ، صار بحمد الله وتوفيقه مجوداً وأمام جامع ، يمتاز بالصوت الرخيم الجميل في التلاوة ، يذكرني والى حد كبير بتلاوة الشيخ ( عوض عمر ) رحمه الله .

 يعقد الشيخ حلقات يومياً في مساجد المدينة المختلفة بعد صلاة الصبح حتى طلوع الشمس ، والثانيـة بعد صلاة المغرب حتى صلاة العشاء ، وكان يهتم بالقرآن الكريم ويحث طلاب العلم على حفظه ويقول انه مفتاح كل سعادة في الدنيا والآخرة وكان يصغي للقارئ في كتاب الله ويتابعه ولا يغتفر له ولو غلطة بســـيطة .

تقيم الجماعة مهرجاناً سنوياً للقرآن الكريم بمقرها جنوب البوابة الشرقية للسكة الحديد أول شارع بركات ، هي قطف ثمرة من ثمرات الجهد والبذل ، وقد شجع ذلك الشباب على الإقبال على حلقات التلاوة والذكر ، والتنافس في حفظ القرآن والتسابق في تجويده وإتقانه .

هذا العمل يذكرنا بما كان عليه السـلف الصالح إذ كانوا يعتنون بالقرآن الكريم أجل عناية ويحثون الناشئة على حفظه ويخصونهم بالعطايا والجوائز تشجيعاً لهم على حفظ القرآن الكريم والإقبال عليه . فإن تدبر القرآن يدعو إلى العلم واتباعه يدعو إلى العمل .( فإذا تحقق العلم وتبعه العمل ) حصل الفلاح للنفس والظفر بخير الدنيا والآخرة .

ومازال شيخنا الجليل على رأس هذا العمل الخيري رئيساً لحلقات الذكر والتلاوة بالمدينة حتى أقعده المرض ، وحبسـه فلازم منزله ، وقبل وفاة الشيخ عبدالعال خوجلى كان رحمه الله قد لزم سرير المرض فترة ليست بالقصيرة ، كان خلالها أكثر استشعاراً بقرب الأجل ، مستخيراً الله في نفسه . فهو يشعر بالموت ويستقبله بطمأنينة المؤمن ، وأذكر أننا كلما زرناه  بمنزله العامر بحي مايو ، كنا نودعه بقراءة بعض آيات  الذكر الحكيم جماعياً ، أو فرادا بواسطة أحد الدهاقنة أمثال شيخ مصطفى محمد أحمد ( أبو كيس ) أو شيخ حمدنا الله علقم  .  في إحدى المرات تولى التلاوة أخونا مصطفى الساعاتي ، وهو وإن كان من الشيوخ ومجوداً إلا أنه لسبب ما ألحن ، ولشدة دهشـتنا أن الشيخ ـ والذي كان في شبه غيبوبة ـ اصدر ( أنة ) جاءت من الأعماق بصورة أهتز لها كامل جسمه ، فما كان من شيخ مصطفي إلا أن سارع لتصحيح نفسه ، فانبسطت أسارير شيخنا ، وبانت عليه علامات الرضي. بعد هذا اللقاء بيومين وافاه الأجل  ـ رحمه الله ـ واجزل لأهله وذويه ومحبيه الأجر ورزقهم الصبر ( أنا لله وإنا إليه راجعون ) .

وفاة الشيخ عبدالعال خوجلى ـ عليه رحمة الله ـ كانت حدثاً كبيراً اهتزت له كل المدينـة ، وكان موكب التشـييع مهيباً وضخماً ، يليق بالرجل وما قدم من جليل الأعمال ، أما غيابه عن السـاحة فقد خلف عالماً هائلاً من الفراغ بعد أن أختاره المولى عز وجل إلي جواره .

أسال الله أن يحفظ علينا ديننـا وامننـا وان يثيب بالجزاء الأوفى شيخنا العزيز المغفور له بإذنه تعالي ( عبدالعال خوجلي ) على ما قدم ، ونفع بعلمه من بقي على أثره وأن يوفق كل القائمين على خدمة القرآن لكل خير وهدى وسعادة وتقى . وأخص بالذكر القائميـــن على أمر هذه الحلقـات بودمدنـى  الأخوان

( الباشمهندس عثمان محمد خير و عبد الرحيم محمود وعبد الرحيم فقيري وشـيخ حمدنا الله علقم .. ومحمد سـليمان ( ود السماك ) ومصطفي محمد أحمد ( أبو كيس ) ومصطفي أحمد الفكي ( الساعاتي )، ومحمد أمين أبو عيسي ، والضو محمد أحمد ( الفحيص ) ، وأبن العم الخلوق الأستاذ / محمد عثمان عووضة ، وفي طليعة هؤلاء الأخ الفاضل ( المهذب ) الشيخ عبد الله عبدا لعال خوجلى ـ الشيخ الحالي لحلقات التلاوة والذكر بالمدينـة ـ  ، الذي لم يدخر وسعاً ولا وقتاً في الأشراف والمتابعة على هذه الحلقات القرآنية حتى قامت على سوقها وآتت أكلها وظهر خيرها وعم نفعها . جعله الله خير خلف لوالده ، وأن يوفقه للقيام بهذه المهمة العظيمة ، فنحن في زمن نحتاج فيه إلي تذكر الآخرة ، فالحياة زمن يسـير ( كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ) .

رحم الله شيخنا العالم ونفع بعلمه وعمله من بقي على أثره ، وجعل له بكل حرف درجة في الجنة ، وحرس الله بلادنـا من كل رذيـلة وأدام عليها من خيره وبركته .                                

                             عمر ســعيد النــور

 

راسل الكاتب