الكاشـف .... أبـو الفـــن

  بقلم : مبارك محمد المبارك

 

من أرض الجزيرة من أرض المحنة .... ومن هذه المدينة الهادئة الوادعة المتكئة على النيل الأزرق مدينة ود مدني مدينة الجمال والحسن شق الكاشف طريقه وسط تشجيع كبير من المثقفين من طلاب الجامعات ومن عامة سكان المدينة فخطا خطوات واثقة استطاع أن يصنع له اسم فني كبير وشهرة واسعة عمت كل أرجاء السودان وخارجه.
والمتابع لمسيرة الراحل المقيم الكاشف يلاحظ أن حياته كانت سلسلة من المثابرة الشاقة على الخلق والإبداع ، فهو واحداً من اكتشافات مطرب السودان الخالد سرور في العام 1931 ، فهو أول مطرب يخرج على تقليد جوقة الفرقة الموسيقية المصاحبة للمطرب والتي لم تكن تتجاوز الرق والطنبور والصاجات والصفقة فإذا به يفاجيء جمهوره عام 1934 بأدائه لأغنية ( أنا بقطف زهورك بعاين بعيوني ) في صحبة إحدى الفرق الموسيقية المصرية الحديثة التي كانت في زيارة ود مدني أنذاك ونجح نجاحاً مذهلاً جعله يكرر التجربة مرة ثانية عام 1940 حين قدم أغنيـــــــــة ( الشاغلين فؤادي ) في حفل نادي الخريجين ، وهو أول من استعان بالشيالين الكورس من الجنس اللطيف وعندما ذهب لمصر لتسجيل أشهر أغانيه لإذاعة ركن السودان وشاركت الإذاعية المصرية الكبيرة أمال فهمي صاحبة البرنامج الشهير ( على الناصية ) في الكورس الذي جمع عدداً من الرجال والنساء من مصر والسودان ومن أبرز الأغنيات التي تم تسجيلها في تلك الفترة ( الحبيب وين ) ( رسائل ) ( أسمر جميل ) .
كان الكاشف حريصاً على تلحين معظم أغانيه بنفسه ، وهو أول من استعان بعازف آلة القانون في فرقته الموسيقية الأستاذ مصطفى كامل مفتش الموسيقى في البعثة المصرية التعليمية بالسودان (1) .
أفرد الأستاذ الكبير السر أحمد قدور في جريدة الخرطوم عام 1996م في عموده المميز "أساتذة وتلاميذ" مقالات متسلسلة عن الكاشف ولأهمية ما جاء بها فضلت أن أدونها كما خطها قلمه بداية من العدد الثالث حيث لم أتحصل على العددين الأول والثاني ولتكملة الأعداد فالرجاء من يتحصل على العددين الأول والثاني من سلسلة الكاشف المذكورة أن يتكرم بإدراجها على الموقع للإستفادة منها ولتوثيق مسيرة هذا المبدع الراحل ... التحية والتقدير مرة أخرى للأستاذ السر قدور مع الأمنيات له بدوام الصحة والعافية .

إبراهيم الكاشف (3)
لم يكن إعجاب سرور بالكاشف وليد مصادفة أو نابعاً من فراغ فسرور هو عميد الغناء والخبير بفنون الطرب والمؤسـس لمدرسة الغناء الحديث في السودان ، ولم يكن إعجابه منذ الوهلة الأولى بإبراهيم الكاشف إلا بعد اقتناع بقدرته على الغناء والطرب وبموهبته الشابة المبشرة ، وبهذا الاقتناع فإن الحاج سرور اعتبر أن الكاشف سيكون خليفته على عرش الغناء ولا شك أن الكاشف ظل حتى رحيله أقوى امتداد لمدرسة سرور الغنائية المدرسة التي تعتمد على قوة الأداء والاستهلال المبهر واستخدام الإمكانيات الصوتية والتطريب في درجات الصوت العليا بل أن الكاشف ارتبط بأشهر شعراء سرور في تلك الفترة سيد عبد العزيز وعبيد عبد الرحمن الذي كان مقيماً في مدينة ود مدني ،وقد صعد إبراهيم الكاشف سلم الشهرة خطوة ... خطوة ... وهو ينتمي إلى طائفة النجارين التي قدمت للفن قبل ذلك الشاعر صالح عبد السيد أبو صلاح ، ثم أحمد وإبراهيم فلاح وكان صبي النجار إبراهيم الكاشف يتجول في سوق ود مدني يحمل المصنوعات الخشبية الدقيقة ، وذكر أن إبراهيم العبادي كان يداعبه ويشترط عليه أن يغني له إحدى أغنيات سرور قبل أن يشتري منه بضاعته ، وقد نال شهرة كبيرة بصوته الجميل وأدائه العذب وهو لا يزال في مرحلة الصبا وسرعان ما أصبح نجماً في مدينة ود مدني يردد الأغنيات القديمة المعروفة ويشارك في بعض الحفلات مردداً ألحاناً وضعها فنان مدني ( الشبلي ) وبعض الهواة ، وفي فترة أخرى التف حول الصوت الجديد بعض الشباب ومنهم أبناء ود مدني الطلاب بجامعة الخرطوم فكانوا عندما يعودون في الإجازات يبحثون عنه لمشاركتهم ليالي السمر وكان من بينهم من تعلم العزف على الآلة الحديثة ... فكان طلاب الجامعة هم الفرقة الموسيقية الأولى التي تمرن معها الكاشف على الغناء مع فرق الموسيقي وقد أفادته هذه التجربة في مسيرة حياته الفنية فكان أول فنان يسعى إلى الغناء مع الموسيقى .. بل يعتبر هو الرائد الفني الذي سعى إلى تكوين اوركسترا رغم أن الغناء عرف الآلات الموسيقية ولكنها كانت الآلات منفردة مثل ( اكورديون ) وهبة و ( كمنجة ) المرحوم السر عبد الله ، ثم ( عود ) عبد القادر سليمان ، وبعده الفنان حسن عطية .... ولكن الكاشف خطى خطوة متقدمة بالبحث عن فرقة موسيقية ... وكان نادي النيل بود مدني القاعدة القوية التي انطلق منها إبراهيم الكاشف إلى رحاب الفن لتخرج شهرته من المدينة الخضراء إلى كل أرجاء السودان .


أبو الفــــن .... (4)
مدينة ود مدني إحدى ثلاث مدن سودانية كانت بوتقة انصهرت فيها قبائل السودان ، وتشكلت على أرضها خميرة المجتمع السوداني الحديث مجتمع المدينة الموازي لمجتمع القبيلة ، فأم درمان عاصمة دولة المهدية ، ومدينة عطبرة المدينة الصناعية ، وود مدني عاصمة الإقليم الزراعي الأكبر هذه المدن الثلاث اجتمعت فيها ملامح المجتمع السوداني الحديث بعاداته وفنونه وآدابه وكانت هذه المدن صورة رائعة لنماذج الثبات والقبائل والثقافات السودانية المختلفة .
وتميزت ود مدني بأنها نشأت في إقليم عريق الحضارة هو إقليم المملكة السنارية وكانت دولة سنار الإسلامية معلماً حضارياً وثقافياً ظل يرسل إشعاعاته حتى عام 1821م .
وفي هذا الإقليم احتشد العلماء والفقهاء ورواد الصوفية ومشايخ الطرق الصوفية وإلى جوار هؤلاء ازدهرت الأنغام والأناشيد الصوفية والمدايح النبوية ، فقد تمايلت قرى ومدن هذا الإقليم على أنغام أحمد ود سعد ، ود نميم وأبو شريعة ، وطيفور الدقوني ، وسمعت أقوال الشيخ فرح ود تكتوك وتمايلت في حلقات الذكر الصوفية .
في هذا الإقليم وبين هذه المدينة ود مدني ومدينة المسلمية كانت بداية حياة إبراهيم الكاشف ينتقل بسمعه من أناشيد الصوفية والمدائح النبوية إلى دوبيت البطانة والأهازيج الشعبية ... ولم يكن غريباً أن يندمج الكاشف أبن الأسرة القادمة من سيناء في شرق مصر مع هذا الجو الفني الشديد الثراء ... وذلك للتشابه الشديد بين فنون سيناء في الغناء والرقص والفنون السودانية فكلها عميقة الارتباط بالتراث العربي وكلها تنتمي إلي فنون القبائل العربية التي عاشت على جانبي البحر الأحمر واندماج الكاشف مع فنون الجزيرة دليل على صدق الرأي الذي يقول بأن حركة الفنون تسير مع سواحل البحار لا مع شواطيء الأنهار ... ودليل على ارتباط الفنون الشعبية السودانية بأصولها العربية القديمة مع ما حدث لها من تأثير البيئة الأفريقية .
وعندما شب إبراهيم الكاشف وأصبح يرتاد حفلات الغناء والطرب كان الثلاثي سرور وكرومة والاستب برهان ملء السمع والبصر ونشأ في السودان لون جديد من الطرب والغناء وهو الذي أسميناه فيما بعد حقيبة الفن .
وعند بدأ هذا اللون من الفن على يد الحاج محمد أحمد سرور عام 1914 كان الكاشف دون العاشرة ولكن بعد سنة 1924 كان هذا الفن قد أصبح يغطي رقعة واسعة من أقاليم السودان وبرز في الساحة بعد هؤلاء الفنان الخالد خليل فرح ذلك الشاب المستنير الذي جدد في معاني الغناء وفي اساليبه ، وفي البداية اتجه الكاشف إلى ترديد الأغاني المشهورة في عصره وكان ميالاً إلى ترديد أغاني الحاج محمد أحمد سرور وأتاحت له قوة صوته وحسن أدائه شهر كبيرة في إقليم الجزيرة حتى أصبح مطربها المميز ... وأتجه إلى أن يكون له أغانيه الخاصة .
وشاء القدر أن يكون بمدينة ود مدني أحد شعراء العامية البارعين وهو الشاعر علي المساح وهو ينتمي إلى نفس البيئة التي ينتمي إليها إبراهيم الكاشف وكانت البداية أغنية زمانك والهوى أعوانك .. وهي مجاراة لأحد قصائد الشاعر سيد عبد العزيز .
ثم أنفرد الكاشف بلحنين صارا فيما بعد من أشهر ألحانه بل من أشهر الألحان السودانية وهما : (الشأغلين فؤادي) .... ( وأنت بدر السماء ).... وهما أيضاً من كلمات علي المساح .
وهكذا أصبح هناك مطرب ذو شخصية هو الفنان ( إبراهيم الكاشف ) .

رائد تلحين الأغنية الحديثة (5)
مثلما كان التيجاني يوسف بشير أساس التجديد في القصيدة السودانية ، كما كان محمد بشير عتيق جسراً انتقلت عليه القصيدة الغنائية من عصر إلى عصر فإن إبراهيم الكاشف كان هو الذي انتقل باللحن السوداني من عصر الحقيبة إلى العصر الحديث ... وكان بحق أستاذ التجديد في مجال اللحن الغنائي وأثر الكاشف في الغناء الحديث يعادل أثر كرومه في الغناء القديم .
وقيمة دور الكاشف في الغناء أنه مزج بين القديم والجديد وحقق بذكاء خارق معادلة الأصالة والتجديد ... فكان أسلوبه في التجديد نابعاً من أرضية الغناء القديم وليس منفصلاً عنه ... وقد كانت أولى خطوات التجديد عند الكاشف في أغنيتين يؤرخ بهما لتطور الغناء السوداني (( الليل ما بنومه )) لعبيد عبد الرحمن ( وفي الشاطئ ) لسيد عبد العزيز .... وفي الأغنيتين بدأت بوضوح ملامح الأسلوب الجديد للفنان إبراهيم الكاشف .
وهذا الأسلوب يستند على ثلاث ركائز أساسية الأولى أن يعبر اللحن عن الإحساس متجاوزاً مرحلة المعاني المجردة ... وعبر الكاشف عن هذا المعنى عندما قال الشعراء يكتبون المعاني ... ونحن نغني الأحاسيس وبمعنى آخر فإن الكاشف عندما يلحن فإنه يبحث عن الأحاسيس التي دفعت الشاعر لكتابة الأغنية وربما وجد قصوراً في تعبير الشاعر فأكمله باللحن والتطريب ... وأسلوب الكاشف قبل التلحين أن يفهم بالضبط ما يريد الشاعر ولذلك فقد كان كثير الجدل والإستفهام مع شعراء أغانيه وبطول المعاشرة والصداقة أصبح يدرك وللوهلة الأولى ماذا يريدون في تعابيرهم.
الركيزة الثانية في أسلوب الكاشف الاعتماد أساساً على اللحن الكلاس الميلودي ... فهو يؤمن بأن أساس اللحن الغنائي هو الميلودي الذي يؤديه المطرب ويظهر فيه قدرته الصوتية وقوته في التعبير الصوتي عن الإحساس .
أما الركيزة الثالثة في أسلوب الكاشف فهو اشتراك الحضور في الغناء أي أن يضع اللحن الميلودي بحيث يتيح للحضور مشاركته في الغناء وترك مساحات للجمهور للمشاركة في ما يسمى بين الموسيقيين بغناء الباص ، أي الغناء الذي يشاركه فيه الجميع بدون غناء .
وهذا الأسلوب أتبعه الكاشف في معظم ألحانه التي تلت فترة الحقيبة ففي كل أغنية كان يترك مساحة المشاركة للجمهور مثال ذلك :
في أغنية ( الجمعة في شمبات ) يشارك الجمهور في غناء بيننا أوجه جميلة .. وجلسة ما منظور مثيلة ... وترنو عيناكي الكحيلة .... وفي أغنية ( فتنة) ... يشارك الجمهور في غناء يا ملهمي القوافي ولكل معنى وافي وفي ( الزيارة ) يشارك الجمهور في غناء .. قصور في خدود يهفون وخدود بدون أمارة ، وليسه نونو وفي ( رحلة طيارة ) يشارك الجمهور في غناء ... حبيبي عاتبني ، وقالي المس قلبي ذاب ، وفي ( أنت عارف ) يشارك الجمهور في غناء ... يا حبيبي زرني مرة ....
وهذه مجرد أمثال ولكن المستمع الواعي يجد في جميع أغنيات الكاشف مساحة للمشاركة في الغناء وقد تطور هذا الأسلوب عند الكاشف في السنوات الأخيرة وأصبح يعطى مساحة لجمهور المسرح للمشاركة في الغناء .... وكان ذلك في أغنية وين .. شكلك ظريف .. أيوه .. دمك خفيف .. أيوه .
وهذه الركائز الثلاث في أسلوب الكاشف اللحني هي التي جعلت أغانيه حية حتى الآن يرددها شباب الغناء الحديث وليالي الطرب السوداني .

رائد الغناء والموسيقى (6)
في عام 1958 أقام الكاشف حفلاً ساهراً في حديقة سينما النصر بشارع الجمهورية بالقاهرة وكانت الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا عنصراً مهماً في نجاح تلك الحفلة من الناحية التنظيمية والناحية الفنية ، كان اهتمامها بنجاح الحفل دليلاً على علاقة الزمالة القوية بينها وبين إبراهيم الكاشف .. وقال الكاشف عن صلته بالفنانة تحية كاريوكا أنها تعود إلى منتصف الثلاثينات وترتبط بأهم حدث في حياته الفنية ، وذلك عندما تخلى لأول مرة عن الشيالين ( الكورس ) ليغني وصلة كاملة مع الفرقة الموسيقية .
وكان ذلك عندما زارت فرقة منوعات مصرية السودان وكان على رأس الفرقة الفنان الكبير نجيب الريحاني والفنانة تحية كاريوكا ، وذهبت الفرقة بعد برنامج الخرطوم إلى مدينة ود مدني لتقيم حفلاً ساهراً هناك وعندما طلب جمهور المدينة اشتراك نجمه المحبوب إبراهيم الكاشف في الحفل ...... أجرى الكاشف بروفات مع الفرقة المصرية وصعد إلى المسرح وقدم لأول مرة وصلة غنائية بمشاركة الفرقة الموسيقية ... وكان نجاح هذه التجربة هو بداية الطريق الجديد وكان نقطة هامة في تغيير مسار الأغنية السودانية .
والغناء السوداني عرف الآلات الموسيقية الحديثة في فترة مبكرة فكان وهبة يعزف مع مطربي الغناء القديم على الأكورديون وكان السر عبد الله يصاحب سرور بالكمان وكان عبد القادر سليمان زميل خليل فرح يعزف على العود وتتلمذ على يديه شباب الجيل الجديد حسن عطية وأحمد المصطفى وغيرهم ... كانت في الخرطوم فرق موسيقية تتبع الجاليات الأجنبية في الخرطوم مثل الجالية الإيطالية واليونانية والسورية تعزف موسيقاها في الميادين العامة في المناسبات المختلفة .
ومع كل هذا فإن الموسيقى في الغناء كانت قبل الكاشف مجرد لمحات وجلسات ( من العزف المنفرد ) وعلى يد إبراهيم الكاشف دخلت الأغنية السودانية العصر الحديث للموسيقى .
وإذا كانت الموسيقى مجرد ترديد ( للميلودية ) في الغناء القديم فإن الكاشف هو الذي إبتدع الجملة اللحنية المعبرة عن المعنى ، وهو أول من وضع المقدمة الموسيقية لأغانيه أو ما يسمونه ( لونجا ) في الغناء العربي وهو تمهيد للمطرب قبل الغناء وأشهر مقدمات إبراهيم الكاشف هي مقدمة أغنية ( رحلة ) .

الكاشف النقابي (7)
الفضل الأول في تكوين رابطة الفنانين السودانيين في مطلع الخمسينات يعود للفنان إبراهيم الكاشف الذي طرح فكرة الرابطة وعمل ليل نهار حتى أصبحت حقيقة واقعة وتطورت فيما بعد لتصبح نقابة للفنانين وقبل تكوين هذه الرابطة كان فنانو الغناء والموسيقى لا يربط بينهم رابط وليس لهم مكاناً يلتقون فيه أو يجتمعون فيه إلا في الحفلات الساهرة أو في بيوت بعضهم البعض أو عندما يذهبون إلى الإذاعة لتقديم الحفلات الغنائية من الإذاعة على الهواء مباشرة .
والسبب الرئيسي الذي دفع إبراهيم الكاشف لإنشاء الرابطة هو نظام الأجور وفرص الغناء في الإذاعة فقد كان مطربو الدرجة الأولى أحمد المصطفى والكاشف وعثمان حسين وعثمان الشفيع وحسن عطية يتقاضون خمسة جنيهات نظير الحفلة الغنائية المذاعة على الهواء من الإذاعة وكانت الحفلة تستغرق عادة ما بين ربع الساعة وثلث الساعة وكانت أجور مطربي الدرجة الثانية والثالثة أقل من خمسة جنيهات وقد كان أول عمل لرابطة الفنانين هو المطالبة بتعديل أجور الحفلات وأجر تسجيل الأسطوانات وقد نشبت معركة بين الرابطة وبين مدير الإذاعة في ذلك الحين متولي عيد وصلت قمتها بإضراب الفنانين الشهير الذي قاده إبراهيم الكاشف وهو الاضراب الفريد من نوعه حيث أعلن أعضاء الرابطة جميعاً عدم الغناء في حفلات الإذاعة التي تقدم على الهواء مباشرة ... وقد رد متولي عيد على هذا الموقف بأن أوقف اسطوانات المطربين ومنع إذاعتها وفي نفس الوقت فتح الباب لعشرات الأصوات الجديدة لتملأ الفراغ الناجم عن الإضراب ومعظم هذه الأصوات لم يحقق نجاحاً يذكر ولم يبق منها غير صوتين فقط : محجوب عثمان ورمضان حسن فقد حقق محجوب ورمضان نجاحاً منذ الوهلة الأولى أتاح لهما الاستمرار والبقاء في عالم الغناء السوداني وكلاهما من مدينة ود مدني مسقط رأس الكاشف .
وبعد نهاية الاضراب بالاتفاق بين الإذاعة والرابطة وهو الاتفاق الذي بمقتضاه تم رفع أجور الفنانين من مطربين وعازفين اتضح لهم جميعاً أهمية الرابطة فعملوا على دعمها وتطويرها ... وقد شارك كبار المطربين في الحفلات الساهرة التي خصص دخلها لدعم مالية النقابة وتم تأسيس أول دار لنقابة الفنانين بجوار سينما أم درمان الوطنية .
وشهدت هذه الدار أول محاولة لإنشاء فصل لتعليم الموسيقى وكتابة النوتة كما تم تنظيم ارتباط الفنانين بالحفلات وتم إنشاء مكتب خاص لكتابة عقود الحفلات وكان أشهر من تولى إدارة هذا المكتب عازف العود الشهير علي مكي .
ومع إشراقات عهد الإستقلال أصبحت نقابة الفنانين جهازاً فاعلاً في المجتمع وفي عالم الفن وكان أحمد المصطفى أكثر الفنانين الذين تولوا منصب النقيب ولم ينتخب الكاشف إلا مرة واحدة... ولكنه كان صاحب رقم قياسي في عضوية مجلس إدارة نقابة الفنانين والتي إليه يرجع الفضل في قيامها.

الكاشف وأنا (8)
عام 1952 تسلقت مع مجموعة من الصبيان سور نادي الموظفين بمدينة الدامر لنشاهد الفنان إبراهيم الكاشف الذي حضر لإحياء حفلة ساهرة في النادي وشاهدته لأول مرة على المسرح وهو يغني ( يا من أحبك وأصطفيك .. أنا لي روح مفتونة بيك ) وبعد هذه الحفلة شاهدت الكاشف للمرة الثانية مع أستاذنا الراحل خالد عبد الرحمن أبو الروس وكنت قد اتجهت عام 1954 إلى التمثيل مما وثق صلتي بالأستاذ خالد وأصدقائه مع شعراء الأغاني عبيد عبد الرحمن وسيد عبد العزيز وإبراهيم العبادي وعمر البنأ ، وكان الكاشف صديقاً لهؤلاء رحمهم الله جميعاً .
وفي عام 1956 كنت أجلس معه ومع العم عبيد عبد الرحمن في نادي الفنانين واسمعتهم أغنية خفيفة تقول كلماتها ( قوليهو قلبي انشغل بيهو ونسيتها دنيا الناس ما كنت ناسيهو ) .
وأثنى عبيد على الأغنية وأعجب بها الفنان الكاشف وطلب أن يسمعها مرة أخرى وعندما سمعها للمرة الثانية كان قد حفظها .. وأبدى بعض الملاحظات كعادته وبدل كلمة هنا وكلمة هناك .. وبعد هذا اللقاء بفترة بسيطة لم أصدق أذني وأنا أسمع أغنيتي بصوت الفنان الكبير إبراهيم الكاشف .
وكانت هذه الأغنية هي بداية التعاون بيني وبين إبراهيم الكاشف الذي كان يتذوق الشعر الغنائي وينقده نقد الخبير المحنك ... وأذكر أنني نشرت قصيدة عن مهرجان الأحفاد أسميتها ( يوم المهرجان ) وفي نفس يوم النشر اتصل بي تليفونياً وطلب أن أذهب إليه ووجدته يحفظ القصيدة ولكنه طلب مني أن أغير شطرة واحدة ، ولأنني كنت أعتقد أن القصيدة لا تصلح للتلحين لأنها مكتوبة بأسلوب الشعر الحديث ...فإن الكاشف قال لي أنت شاعر .. وأنا ملحن وكل واحد يشوف شغله .
ثم كانت بعد ذلك رحلة من التعاون أثمرت مجموعة من الأغنيات هي ( الشوق والريد ) ( عودة الربيـــع ) ( يا صغير ) ( أنا راضي ) ونشيد ( أنا أفريقي أنا سوداني ) وغيرها .
وكان الكاشف من ذلك الجيل الذي يعرف بيت القصيد ... ففي أغنية يوم المهرجان اختار جملة ( أحتار أنا ) وجعلها جملة أساسية في الأغنية كذلك في أغنية ( أنا سوداني ) جعل كلمة أنا سوداني هي الأساس .. وفي أغنية ( يا صغير ) جعل الارتكاز كلمة ( يا صغير ) فقط .
وفي بعض الأحيان كان الكاشف يحذف مقطعاً كاملاً لأنه لا يضيف جديداً للمعنى ، وأنا سعيد الحظ .. لأنني من أولئك الذين تعلموا الأسلوب الصحيح لكتابة الأغنية على يد إبراهيم الكاشف .

طرائف وأغنيات (9)
من أغنياتي التي قدمها الفنان الكاشف ثلاث أغنيات ارتبطت بمواقف طريفة الأولى كانت أغنية ( الشوق والريد ) وكان ذلك في بداية الستينات .. وكان الشعر الحديث قد أصبح موضة بين شباب الجيل الجديد وقد ظن أولئك أننا نحن الذين نكتب بالأسلوب التقليدي نعجز عن مجاراتهم في هذا الميدان ... فكتبت أنا عدداً من القصائد المرسلة بعضها بالفصحى وبعضها بالعامية .. وذات صباح كنت أجلس مع الفنان الكاشف في المحل المجاور لجريدة " صوت السودان " حضر إلينا المرحوم أحمد سنجر وهو يحمل صحيفة يومية ولوح بالجريدة في وجهي ثم شن علي هجوماً عنيفاً واتهمني بالعجز والتقليد الأعمى واستنكر أن أساهم في إفساد الشعر بهذه البدع .. ولكي يشارك الكاشف في النقاش طلب أن نقرأ له القصيدة وعندما قرأتها له دافع عنها دفاعاً مجيداً وقال أنها شيء جديد في شعر العامية . وهنا صرخ فيه العم سنجر .. طيب يا إبراهيم روح غنيها لو فالح .. وانتهى الجدل بهذا التحدي ومن الطريق إلى أم درمان ونحن في العربة طالب مني الكاشف أن أقرأ عليه القصيدة مرة أخرى .. وقرأتها ثم قرأتها مرتين وعندما وصلنا إلى جوار سينما أم درمان حيث أسكن أوقف العربة . وقبل أن أنزل قرأت له القصيدة للمرة الرابعة .. ثم وضع رأسه على عجلة القيادة وأسمعني القصيدة كاملة .. وقال لي مع السلامة .. وفي اليوم الرابع من هذا الموقف كان الكاشف يغني في حفلة ساهرة في المسرح القومي الأغنية الجديدة ( الشوق والريد ) إستجابة لتحدي صديقه الشاعر أحمد سنجر رحمهما الله .
يا صغير
كنت أعود معه بالقطار بعد حفلة أحياها بمدينة شندي وعندما تحرك القطار من المحطة ذهبنا إلى عربة البوفيه .. وعند جلوسنا لفت نظري هو إلى فتاة وشاب يجلسان إلى مائدة على الجانب الآخر ولم يكن هناك سواهما عند دخولنا ولاحظت أن الإرتباك قد بدأ واضحا عليهما وكانا كما يبدو من طلاب الجامعة وقال الكاشف همساً ( قصة حب جديدة ) وعلقت أنا بأن الحيرة تبدو عليهما معاً ... وألهمني الموقف بيتاً من الشعر كتبته على هامش صحيفة في يدي .. ( يا صغير يا محيرني ومتحير أنا عمري غرامك أنت وغرامك عمره قصير .. ) وقرأت له المطلع فحفظه للوهلة الأولى ثم راح ينقر على المائدة وبعد لحظات كان يغني المطلع .. وطلب مني أن أكمل .. ورحت أكتب شطرة ثم شطرة وظل هو يحفظ ويغني ... وعندما وصل القطار محطة الخرطوم بحري كانت هناك أغنية خفيفة نالت شهرتها بعد رحيل الكاشف بأكثر من عشر سنوات .. هي أغنية ( يا صغير ) التي رفضتها الإذاعة السودانية وسجلها الكاشف لإذاعة ركن السودان عام 1964 وقدمتها الإذاعة السودانية عام 1983 بعد طلب محمد خوجلي صالحين وزير الإعلام حينذاك نقلها كهدية من إذاعة القاهرة لإذاعة أم درمان .
اتصل بي الفنان الكاشف في مكتبي بجريدة " الناس " وطلب مني أن أذهب إليه في المحل حالاً وذهبت إليه .. وعندما وصلت طلب لي ( جبنة ) وأدخلني البرندة إلي مكتبه بالداخل وجلس وأعطاني ورقة وقال لي أنه سيشارك مساء اليوم في حفل لمناصرة ثورة الجزائر .. وانه اكتشف صباح اليوم أن بعض المطربين جهزوا أناشيد خاصة لهذه المناسبة .. وطلب أن أكتب له لذلك نشيداً عن ثورة الجزائر فبدأت أكتب ( يا ثوار الجزائر ) فقال لي الأفضل أن تقول يا شعب الجزائر فكتبت المطلع :
يا عملاق وثائر ... يا شعب الجزائر
سلاحك صباحك ... مليان بالبشائر
وبقينا حتى الساعة الرابعة وقبيل ميعاد الحفل بساعات قليلة .. ولم نتحرك من المحل إلا بعد أن أكتمل نشيد ( شعب الجزائر ) تاليفاً ولحناً وفي الساعة العاشرة مساء كان النشيد يذاع على الهواء مباشرة من الحفل الساهر الذي أقيم لمناصرة ثورة الجزائر .
قالوا عن الكاشف (10)
الكاشف من خلال تجربتين ......... ( محمود أبو العزائم )
للتدليل على قيمة الفنان إبراهيم الكاشف ومكانته الحقيقية التي لا يعرفها معظم الناس سأورد تجربتين عشتهما معه .
المكان الفندق الكبير بالخرطوم والزمن ذات صباح باكر خلال زيارة الرئيس جمال عبد الناصر الأولى للخرطوم في الستينات .. وجاءت معه إلى السودان فرقة أضواء المدينة وكان لابد أن يكون بين أعضائها الموسيقار أحمد فؤاد حسن قائد الفرقة الماسية .
وكنت والصديق الأستاذ علي المك على موعد للقاء يتم بين " الصراحة الجديدة " التي كنت ارأس تحريرها آنذاك 1962 وبين الموسيقار أحمد فواد حسن واتفقنا أن يكون ممثل الجريدة اليومية في ذلك اللقاء الفنان إبراهيم الكاشف باعتباره أحد أعضاء أسرة تحريرها .. وثقة منا في أنه أقدر على الانتقال بالحديث وهو فني من نقطة إلى أخرى لأنه أولاً يعرف أحمد فؤاد حسن ولأنه ثانياً أكثر فنانينا المعاصرين تفهماً للفن ، ولقضاياه المتشبعة ، ومن أكثرهم عمقاً وحساً في كل ما يتصل بهذه القضايا .. وتم اللقاء و لا يعنيني هنا تفصيلات الذي دار فيه من حديث .. لكنني أنقل دهشة الأستاذ علي المك الذي كان طوال الوقت يراقب في شغف واهتمام ما كان يدور بين الفنانين من حوار .. ويسجل ملاحظاته ويخرج من تلك الجلسة وهو المثقف الكاتب الفنان الجامعي .. وقد أضاف إلى حصيلته شيئاً كثيراً من المعرفة تعلمه من إبراهيم الكاشف الفنان الذي لا يقرأ ولا يكتب .
والشيء الثاني .. واعني به التجربة الشخصية الأخرى .. هي إنني حرصت أن أستمع لأم كلثوم لأول مرة في حياتي عندما ربطت كفاحها الفني ولأول مرة مع الموسيقار الأشهر محمد عبد الوهاب فيما أطلق عليه لقاء السحاب آنذاك في أول إنتاج مشترك بينهما ( أنت عمري ) لحن عبد الوهاب وغناء أم كلثوم .
وأشهد بأنني نسيت نفسي تماما .. ومن خلال موسيقى عبد الوهاب اكتشفت أم كلثوم التي ما كنت أطيق الاستماع إليها ....وكنت استغرب لتعلق الكثيرين جداً ممن يعدون بالملايين بصوتها وبفنها . .. وكان حفلها مذاعاً مساء يوم الخميس حتى الساعات الأولى من الصباح ، حرصت صباح الجمعة أن التقي بصديقي الفنان العظيم إبراهيم الكاشف أساله رأيه في ( أنت عمري ) لقاء عبد الوهاب الأول بأم كلثوم .
والتمسته في معرضه بعمارة الجامع المصري بالخرطوم .. وانطلق في الحديث معي حول الأغنية وعبد الوهاب وأم كلثوم .. فأستحوذ على إنتباهي كله .. ولدهشتي وبعد أسبوع من ذلك الحديث الناقد من الكاشف ... كنت أقرأ نقد الأغنية في صحف القاهرة ... وإذا بذلك النقد جميعه على إختلاف النقاد الذي نشر عن الأغنية في كل صحف القاهرة .. صدر عن شخص واحد في الخرطوم ... في عمارة الجامع المصري ... ولفترة زمنية تزيد قليلاً عن الساعة ... ذلك الشخص هو الفنان الذي تكرمه عاصمة الجزيرة اليوم .. وكان أولى أن يكرمه السودان كله .. الفنان الكبير الخالد ( إبراهيم الكاشف ) .

الكاشف ....... أثار أقدام في الرمال (11) .... أحمد سنجر
كان ذلك سنة 1942 عندما نقلت من اركويت إلى وادي سيدنا مساعداً لملاحظ البساتين مغضوب علي من سلطات الإحتلال البريطاني الذي ضاق ذرعاً من نشاطي في القرى التي لم تصلها دعوة المؤتمر . وكنا نجلس في منزلنا بالحي الأفرنجي الذي يأوى إليه ساعات الظهيرة الضابط محمد طلعت فريد ( لواء ) والبكباشي محمود بشير ليلعبوا النرد مع رشيد وعلي كورتي وكنت أضيق أيضاً بهذه الجلسة التي لم يجر فيها حوار سياسي أو جدل علمي فأتركهم وأخرج للحي الوطني وفيه كمية ضخمة من العمال يحتارون في ملء هذا الفراغ .. وفجأة خطرت ببالي فكرة أملأ بها هذا الفراغ لتكون وسيلة لغاية كبرى فذهبت لأحد أصدقائي من الإنجليز المتمردين والذي يحلف لي دائماً أن بريطانيا خسرانه الحرب ( ولولا خاطر رأس الملك لما اشتركت أنا شخصياً فيها ) وكان قزماً يسمى ( مارتن ) يعمل مخزنجياً للكورة وكنت أنا رئيساً للسودانيين بصفة عملي وهذا هو السبب في توطد علاقتنا .
طلبت منه أن يسلفني كورة ففعل وذهبت لطلعت طلبت منه أن نؤلف فريقا رياضيا فقبل الفكرة مشكورا والتزم بتدريب الفريق ثم ذهبت وعرضت الفكرة في الحي الوطني فوجدت تصفيقا وهتافات تشق عنان السماء وفي نفس اليوم كان أول تمرين وكان انتخاب لجنة الفريق ... لعبنا عدة مباريات وربطنا عدة علاقات رياضية مع فرق القرى التي أصبحنا لها مركزية تأتمر بأمرنا .. سيرو السروراب التوفلات من خور عمر إلى الحتانة .
وعندما اكتملت هذه القوة وفي يوم مباراة رهيبة جمعت كل القرى في وادي سيدنا همست في أذن طلعت وكان حكما للمباراة وفهمته هذا يوم الفصل وأننا نريد أن نؤلف لجنة للمؤتمر هنا فلم يندهش ولم يستغرب بل قال لي حتى آخر صفارة واخرج أنا أفعلوا ما شئتم وفعلا عند نهاية المباراة قال لهم بصوت جمهوري استودعكم الله وسيتكلم إليكم سنجر في أشياء تخصكم فوقفت في منبر كان على حمام السباحة لأحييهم وأتلو عليهم رسالة المؤتمر وانه الغاية التي نسعى لها لخلاص بلادنا من الإنجليز وكانت الصفقة والهتافات تعلو وخرجنا يقودنا فتى قوي البنية يتدفق حماسا بصوته الذي ملأ الفضاء ينادي :
للعلا للعلا وابعثوا مجدنا الآفلا
واطلبوا العلاة المزيد للعلا
أيها الوادي الخصيب أن للمؤتمر
صاحب الشادي البعيد للعلا
وخرج الناس من منازلهم لهذه الحنجرة القوية وهذه المعاني الدسمة وهذه القوة الشابة تزحف نحو حي العمال ذلك الحي الذي خرجت نساؤه يستقبلن الموكب بالزغاريد .
وسألت من هذا الفتى الذي خلق المؤتمر هنا؟ فأخذني صديقي المرحوم حامد يوسف وقال لي تعال أعرفك به هذا هو إبراهيم الكاشف واستمر الكاشف في كل تمرين نذهب بهذا النشيد ونعود به وللناس ملتفون حولنا حتى كان للمؤتمر أكثر من عشرين لجنة أصبحت فيما بعد أساسا للحركة الوطنية في الضواحي الشمالية الغربية .

التحية لهذا الكاتب الكبير السر أحمد قدور لهذا المجهود المقدر في سرد مسيرة أبو الفن إبراهيم الكاشف والتحية لكل من أحيا ذكرى الكاشف وأخص بذلك الفنان المتطور "عصام محمد نور" الذي خرج إلينا هذه الأيام بشريط كاسيت جديد حمل أغاني رائعة للكاشف التهنئة له بهذا الاختيار والأداء والتحية لكل من صدح بأغاني الكاشف في سماء مدينة ود مدني خاصة بلبل الجزيرة صديق سرحان و الفنان الرائع أمين عمر أمين ولكل من تغنى بروائع الكاشف ... رحم الله الكاشف .....
-----------
(1) السودان وأهل السودان - يوسف الشريف ص 261

 

 

راسل الكاتب