تحية حب.. لود مدني

 

بقلم: نبيل أحمد عباس
تقديم
/ عمر حسن غلام الله 

 

ود مدني، حينما أذكرها يسري في صدري حنين جارف، انقضت سنوات أسرع من الطيف، مدينة حانية واستثنائية، لا تتعرف عليها من الوهلة الأولى، عصية الفهم للغرباء والعابرين، كالأسرة الكبيرة لها أسراراها وخصوصيتها، لا تمنحك مفاتيحها إلا بالعشرة الطويلة، فتنعم "بالخوة" الصادقة النبيلة وتدب في أوصالك دفء العشيرة، كلما ابتعدت عنها تظل جذوة الشوق مستعرة لا تنطفئ إلا بالارتماء في أحضانها الخضراء، وأهل مدني لا يفارقونها بسهولة، وإذا اقتضى "شأن عاجل" السفر الى الخرطوم يعودون قافلين في بص الخامسة مساء، "كالأسماك لا تعيش خارج البحر".. أذكر في الثمانينات أنني لم أدهش حينما أجهش زملائي من أبناء مدني بالبكاء المحرق عندما لاحت مشارف المدينة ونحن عائدون من القاهرة في إجازة صيفية..
عند مدخل المدينة شارع القبة بأحيائه القديمة "الدباغة، أم سويقو، العشير، حي المدنيين، حي القبة" يقطنها سكان مدني الأوائل محيطين بقبة الشيخ " ود مدني السني" التي تطل في إجلال ومهابة، وهو شارع به مجموعة من المباني العتيقة.. المدرسة الأميرية التي ما زالت لها ذكريات حية في نفوسنا ونحن صبية في مطلع السبعينا، تلقينا فيها العلم على أيدي أساتذة أجلاء "مديرها المربي الفاضل الزبير تميم الدار، وصديق بشاشه، والشامي، وعبد الباقي" والمرحوم "عم بشير" فراش المدرسة، ناهز السبعين من عمره، عاصر الرئيس نميري عندما كان طالباً بالمدرسة، كنا نتحلق حوله فيحكي لنا بكثير من التشويق تاريخ الأميرية وطرائفه مع الخرجين..
في مواجهة المدرسة "جامع مدني الكبير"، وتطل على شارع النيل المباني الحكومية المتوسطة الارتفاع بطرازها الانجليزي.. ونادي الجزيرة الذي أنشأه "كرار أحمد كرار" محافظ النيل الأزرق في الستينات لينافس أندية الخرطوم الفخمة.. والحي السوداني حينما تمر به مساء ينفحك أريج الأزهار ويمتلئ صدرك بهواء النيل النقي، حي كبار الموظفين وشيوخ التجار.. يقودك شارع متفرع الى وزارة الري، الوزارة العريقة التي تقع وسط غابة من أشجار المانجو، ويعمل بها عدد هائل من سكان المدينة، وتعاقب على هذه الوزارة مهندسون أفذاذ تركوا سيرة طيبة في نفوس أهل مدني، وبأيديهم البيضاء ساهموا في إنشاء معالمها الحضارية.. المهندس مرتضى احمد ابراهيم" الوزير الثائر وصاحب القدح المعلى في تأسيس "مسرح الجزيرة" المنارة الثقافية التي عطرت ليالي مدني بالغناء والمسرحيات والندوات والليالي الشعرية.. فضيلة الشيخ المرحوم محمد متولي الشعراوي.. والشاعر العراقي مظفر النواب.. وعادل إمام وعمر الحريري وناهد جبر في مسرحية "شاهد ما شفاش حاجة".. والفاضل سعيد.. والأكروبات السودانية في مجدها الآفل.. نضر الله تلك الأيام..
ود مدني مدينة متمردة لا في السياسة وحدها، وإنما حتى على التقاليد الاجتماعية القديمة "التي هي علة التطور" كما قال الفلسوف الإنجليزي "لامارك".. ناسها الأصليين يحسون بجذورهم الضاربة في التاريخ.. فنفوسهم مليئة بالثقة والاعتداد.. وبعقولهم المتفتحة يهضمون التيارات الحديثة في الأدب والفن والسياسة.. حتى موضات الأزياء والرقص.. مدينة متشوقة للبهجة والإبداع والعصرنة.. وعندما استشهد "طه يوسف عبيد" في انتفاضة يناير 1982م خرجت مدني كما لم تخرج من قبل مشيعة ابنها.. وعاشت ليال سوداء تموج بالغضب والثورة، وفي انتفاضة مارس- ابريل كانت في المقدمة..
أعطت مدني الكثير ومازالت تزداد حضوراً وفاعلية في الحياة الثقافية والسياسية..
لك يا مدني تحية حب وإجلال.. ويبقى في النفس شئ من حتى..


 

في زيارتي لكلية ود مدني الأهلية لحضور نهارية شعرية أعدتها رابطة الجزيرة للآداب والفنون في أغسطس 2004م تعرفت على الدكتور عمر أحمد عبد الكريم- الأستاذ المحاضر بالكلية- وقد أعطاني مجموعة من المقالات الصحفية المنشورة بالصحف السودانية، بعضها بقلمه وبعضها بأقلام آخرين، ومن ضمن هذه المقالات هذا المقال الذي يبدو أن الدكتور عمر أعجب به فاحتفظ بصورة له، ثم أعطاني إياها لأعيد نشرها في موقع ود مدني.. مع ملاحظة أنه لم تظهر في الصورة الضوئية للمقال اسم الجريدة ولا تاريخ نشره، فاستميح الكاتب عذراً وأعيد نشره هنا بدون التاريخ، واستميح الجريدة عذراً في عدم نشر إسمها لأنني لا أعرفه، وتحية للجريدة، وتحية للكاتب وتحية للدكتور عمر أحمد عبد الكريم، وتحية حب.. لود مدني..

عمر حسن غلام الله
 

 

راسل الكاتب

محراب الآداب والفنون