الراحل الذي يغيب مع الشمس

 

  للقاص :عمر دفع الله

 

 لا أحد يعرف من أي مكان بالتحديد يجئ هذا الرجل الغريب ، و لا أحد يعرف إلى أين يذهب مع الشمس حين تغيب ، الكل يراه يمشي و يمشي في انكسار الزاهدين حتى يتلاشى في عتمة المساء ، في المساحة الواقعة خلف القرية جهة الغرب ، ثم يتراءى لهم مرة أخرى في اليوم التالي عند غلس الفجر ، في الخلاء الواقع أمام القرية جهة الشرق ، حيث يجئ مقبلا من بعيد ، فيبدو صغيرا و بلا ملامح ثم يكبر و يكبر و تتضح هويته شيئا فشيئا إلى أن يحل في القرية كاملا مع الشروق كأنما هو صنو الشمس أو خيطا من خيوطها.

كل أهل القرية و جيرانهم يشهدون لبعضهم و لزوارهم بأنهم منذ أن شبوا عن الطوق و تفتحت عيونهم على حركة الحياة ، و رغم اختلاف أعمارهم ، قد رأوا الرجل بهيئته تلك يتجول في (سوق القرى) و يميط الأذى عن الطرق ، ثم يجلس في مكانه المعهود يرجز و يصلي و يضرع لله و يرفع بصره إلى السماء و يخفضه في رضا العارفين ، في حركة مستمرة حتى آخر المعمرين شاهد طقوسه تلك على مر الأيام و شهد عليها ، وعلى أنه رآه هكذا ، كما هو عليه الآن بجسمه الناحل الطويل و لحيته الكثة البيضاء و شاربه الكثيف ، داخلا في ذات الجلباب القصير و السروال الطويل ، وبلفة عمامته التي تشبه العصاية و حذائه الجلدي السميك  و على كتفه ذات (الفروة) و بيمينه ذات الإبريق المعدني الصقيل ، إنه لم يتغير أبدا ، ولم يتحول عن عاداته مطلقا ، وقد قالوا الكثير المثير عنه ، فمثلا قالوا أن صلاته المنفردة في ظاهرها تحضرها أرواح كثيرة من الأولياء و الجن الصالحين ، خاصة و أنه يتلفت قبل الدخول في الصلاة إلى الوراء و ينظر يمينا و يسارا و يتمتم بحديث قيل أنه حديث الإمام للمأمومين " استووا . سووا صفوفكم يرحمني و يرحمكم الله " ثم يدخل في الصلاة ، أما نساء القرية متوسطات العمر فقد كن يتطلعن إليه ويتقن للوصول لسر السحر الروحي الكامن في أعماقه العذبة ، وكن يتهامسن عن عالمه الخلوي و ارتباطه الوثيق بمغيب الشمس و شروقها ، ويقلن أن له اتصال بعالم الجن ، و أن له امرأة فيهن تدعى حاجة النفوس ، يوم زفافها له حفل العرس الجنيين كل أركان الدنيا ، انحدروا من الأنهار والبحار و جاؤا من الوديان و السهول و الصحارى و من الربى و الوهاد و قناني الجبال و سفوحها ومن بطن الأديم و قد حملوا عرش زفافها و طاروا به خارج الأرض إلى حجرات قمرية ، أبوابها و نوافذها صنعت من خشب الصندل و مقابضها من الذهب و الفضة و سويت أعتابها بالرخام و سقوفها من أخشاب الطلح و الشاف و قد بنيت جدرانها بالمسك و الزعفران ، و فرشت بالحرير و زينت بثريات اللؤلؤ و الفيروز المعلق و النجف الماسي ، وقد لمعت في أرجائها الأحجار الكريمة التي جلبت من أودية القمر . و استمرت احتفالاتهم ثلاثون يوما حضرها أقطاب القبيل من الكواكب الأخرى و قلن أن أباها من سلالة الجن الذي تباهت بإحضار عرش بلقيس إلى سيدنا سليمان قبل أن يقوم من مقامه .

إ ن النساء متوسطات العمر دائما يتحدثن عن عالمه ذاك ، أما الرجال و النساء كبار السن فقد كانوا يقولون أنه ولي ، و أن سر ديمومة الخضرة في المراعي و عنفوان الطبيعة في حقول القرى إنما هو من بركات هذا الرجل الصالح . و كان بعضهم يعتقد و البعض يجزم بأنه الخضر عليه السلام بذاته ، أما شباب القرية من الجنسين كانوا ينظرون إليه على أنه رجل إنساني ، إلا أن واحدة من النساء متوسطات العمر كانت تنظر إليه نظرة كبيرة وواسعة ، كانت ترى سعادتها بيديه و الطريق إلى الجنة يمر به ، و أن كل رجل سواه لا يمكن أن ينتصر لأنوثتها و ضعفها و يقودها إلى ذاك العالم الخافق بالحق و الخير و الجمال ، و يرويها من عاطفته العلوية الراقية ، إنها المرأة الأكثر توقدا و اشتعالا في سبيله ، فقد كانت تتبعه بعينين عاطفتين من داخل حوش منزلهم القصير الواقع في طرف القرية ، تستطلعه عند كل فجر و تشيعه مع الغروب إلى عالمه الغيبي ، غير أنها في أحد الأيام وضعت حدا لعذاباتها و صممت على الوصول إلى قرارة الرجل فانحدرت مع الشمس قبيل غروبها إلى خارج القرية ، ولم تنتبه لكثرة الغربان التي حلقت صبيحة هذا اليوم باكرا و بقيت تنعق حتى الأصيل ، فقد كانت مشغولة عنها بترتيب أمورها و أحاديثها التي تود أن تقولها و احتمالات الطريق .

توغلت في الخلاء مع رضيعتها اليتيمة إلى أن وصلت إلى واد صغير به شجيرات نخل متناثرة فاختارت منهن المثمرة الباسقة و جمعت من تحتها مما ساقطته الطبيعة من ثمارها و غسلته من بركة بقربها و كومته في خرقة لها أمام طفلتها ثم تقرفصت تحت النخلة و أسندت ظهرها إلى عمودها و عينها على الشرق ، في المساحة التي تمتد من القرية إلى سديم الغروب ، في الخلاء الشاسع ، في انتظار الرجل حين يجيء سالكا درب المغيب ، فقد عزمت على أن تلتقيه عند منتصف المسافة لاعتقادها بأن صلته تنقطع في هذه المنطقة بعالمنا البشري .

كانت الشمس من خلفها تسحب خيوط أشعتها الزيتية الباردة من مسرح الحياة والعصافير تشقشق بحده كأنها تحتج على مغيب الشمس أو تبكي على قتيل لها ، بينما مي تسبح في أنهار الخلد ، في حلمها الفضي . و هناك في الطرف الآخر ، على دكة في سوق القرى تنسحب الروح من جسد الرجل الغريب ، و أثناء ما هي في ذلك جاءها _ بين الشك و اليقين _ صوت جني حزين كأنه منبعث من رأس النخلة أو من فضاء بعيد (( مكة بنية الحجاز حزينه ، الليلة مكة تعزيها المدينة ، يا سند الأجنة في الأرحام ، يا ضوء العشا ، يا سراج الظلمة الانطفا )) و يتكرر الصوت الجني الباكي ملء وجودها حيرة (( يا ضوء العشا يا سراج الظلمة الانطفا ، يا سراج الظلمة الانطفا ، يا سراج الظلمة الانطفا )) و قد صاحت الديوك في غير أوانها و جاءت الأبقار و خارت الثيران في المرابط و رغت الجمال في معاقلها ، ثم شق النواح يقينا عنان الفضاء ، و صعق من في البلد ، و قد حمل الصبية الفوانيس و المصابيح الكهربائية و مشوا فوق الحقول و النجود و الوهاد و عبروا الجداول إلى القرى المجاورة

عمر دفع الله

 

راسل الكاتب

محراب الآداب والفنون